الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

أقل من “الناتو” وأكبر من “تنسيق أمني”.. ما تصورات التحالف الإقليمي الجديد في المنطقة؟

رغم استخدام ملك الأردن وصف "الناتو" في حديثه عن تشكيل تحالف شرق أوسطي.. فإن ثمة عقبات تحول دون تحقيق نفس الشروط على دول المنطقة

كيوبوست

بالتزامات أقل من التي يفرضها حلف شمال الأطلسي “الناتو” على أعضائه، وبمستوى تنسيق أعلى من المستوى الأمني وحده، يمكن الاستقرار على ملامح التحالف الإقليمي الجديد، والذي يجري الحديث بشأنه في المنطقة خلال الفترة الحالية، تزامناً مع اللقاءات المستمرة بين القادة العرب والجولات والزيارات المتبادلة على مستوى رفيع خلال الأيام الماضية، حسب ما تحدث به مراقبون لـ”كيوبوست”.

وكان ملك الأردن عبدالله الثاني، قد أكد في مقابلة مع شبكة “سي إن بي سي” الأمريكية، الأسبوع الماضي، حماسه لتشكيل تحالف شرق أوسطي على غرار الناتو، مؤكداً أنه من أوائل الأشخاص الذين يؤيدون إنشاء ناتو شرق أوسطي يجمع الدول التي لديها نفس التفكير، بينما نفى وزير الخارجية المصري سامح شكري، بشكل قاطع، وجود طرح بإنشاء “ناتو عربي” على الطاولة في الوقت الحالي.

ملك الأردن عبدالله الثاني

وقالت صحيفة “الأهرام ويكلي” المصرية الرسمية، إن الترتيبات العسكرية التي تجري بالتعاون مع إسرائيل مرتبطة بالتعاون مع الولايات المتحدة بشكل أساسي، وأشارت إلى الاعتقاد الإسرائيلي بأن إسرائيل مطوقة من سوريا ولبنان بحلفاء إيران وتريد مواجهتها بجبهة موحدة في دول الخليج؛ لكن تلك الدول لا تريد تبني هذه الاستراتيجية، للاعتقاد بأن هذا الأمر سيؤدي إلى إثارة تهديد لا داعي له في حال نشوب نزاع بين طهران وتل أبيب ليس للدول العربية أية مصلحة فيه.

اقرأ أيضًا: في الذكرى الـ26 لتفجيرات الخبر: باحث سعودي يفتح ملف الدور الإيراني في دول الخليج

التزامات صعبة

جيل مورسيانو

من الصعب للغاية الوصول بين دول المنطقة إلى الالتزامات التي يفرضها الناتو على أعضائه، حسب الدكتور جيل مورسيانو، المدير التنفيذي للمعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية في إسرائيل، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن ما يحدث هو تحالف لمستوى آخر من التنسيقات يشمل تعاوناً بمجالات عديدة مرتبطة بالمستقبل وبملفات عدة؛ ليس فقط الملف العسكري، مشيراً إلى أن هناك آراء مختلفة بين دول المنطقة بشأن الطريقة الأفضل للتعامل مع إيران وأنشطتها؛ وهو أمر لن يكون عائقاً أمام هذه التنسيقات المستمرة.

وأضاف أن مشاركة الولايات المتحدة في هذه التنسيقات وإن كانت مهمة فهي ليست ملزمة؛ خصوصاً أن هذه التنسيقات ستنعكس بشكل إيجابي على جميع الدول المشاركة وستكون بمثابة حائط صد لتجنب أية أزمات يمكن أن تحدث، بالإضافة إلى أنها ستدعم عمليات التكامل بما يخدم جميع الأطراف.

ثمة عوامل وتحديات مرتبطة بطبيعة دول المنطقة أعاقت محاولات سابقة لبناء تحالفات عسكرية في المنطقة، حسب ما يذكر بوبي غوش، في مقاله عبر “بلومبرج”، معتبراً أن هذه العوامل كانت السبب في عرقلة خطة الجامعة العربية لتأسيس قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب عام 2015، واقتراح التحالف الأمني الذي خرج للنور عام 2017 وحظي بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

دعت الجامعة العربية لتأسيس قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب عام 2015- أرشيف

وأضاف أن ثمة تغيرات حدثت ستكون محددة بأي ائتلاف جديد يتم تكوينه؛ الأول مرتبط بتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، والثاني مرتبط بوضوح الخطر الإيراني بصورة أكثر من أي وقت مضى وارتباطه باقتراب امتلاك طهران القدرة على صنع الأسلحة النووية بعدما قامت ببناء مخزون كبير من اليورانيوم المخصب.

يتطرق بوبي غوش، في مقاله، إلى صعوبة تحديد المهمة بوضوح من التحالف العسكري الإقليمي في ظل وجود تصورات مختلفة عن التهديدات الإيرانية للمنطقة؛ خصوصاً بين إسرائيل والعرب، وهو ما برز في تركيز ملك الأردن على ضرورة أن تكون المهمة واضحة للغاية للتحالف حال إنشائه.

اقرأ أيضًا: هل أصبحت سوريا أرض تصفية حسابات بين إيران وإسرائيل؟

فكرة متجددة

لطالما كانت رغبة الولايات المتحدة في رؤية الدول الصديقة بالشرق الأوسط تتحد معاً في نفس النطاق كما فعلت أوروبا عبر الناتو، حسب أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة الدفاع الوطني ديفيد دي روش، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن هذا الطموح ليس جديداً على السياسة الأمريكية؛ لكن مع دخول اتفاقيات إبراهيم حيز التنفيذ والاعتراف العربي بالتهديد الذي تشكله إيران للمنطقة، أعادت إدارة بايدن دفع الفكرة مرة أخرى على الرغم من وجود بعض المشكلات التي لا تزال موجودة بين الدول العربية نفسها.

مراسم توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين الإمارات وإسرائيل – وكالات
ديفيد دي دروش

أُثيرت الفكرة للمرة الأولى علناً عام 2017 لمواجهة إيران ودعمها للجماعات المسلحة، حسب مايكل شارنوف، أستاذ مشارك في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن فكرة الناتو العربي أو الشرق أوسطي تأثرت لفترة بالخلافات التي حدثت بين دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن في هذا الأمر، فضلاً عما يتطلبه الأمر من اتفاق دفاع إقليمي وتعاون مشترك بمجالات الدفاع والاستخبارات والاستعداد للدفاع العسكري المشترك في وقت كانت آخر مرة قاتلت فيها الجيوش العربية مجتمعة خلال حرب 1973.

فكرة تشكيل محور استراتيجي بالمنطقة ليست جديدة، حسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة د.طارق فهمي، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن ما يجري الترتيب له مرتبط بمقاربة جديدة سبق التمهيد لها عبر عدة مناسبات؛ بداية من لقاء المنامة ومروراً بقمة النقب، وهو أمر مرتبط بمجالات التعاون الاستراتيجي والإقليمي بين دول المنطقة.

6 وزراء خارجية في قمة النقب

تعاون إقليمي

يشير طارق فهمي إلى أن الفكرة مرتبطة بإنشاء تجمع إقليمي بين عدة دول في المنطقة؛ وهو أمر تجري صياغته بالوقت الحالي عبر اللقاءات بين القادة العرب التي تعتبر بديلاً للقمة العربية التي لم تعقد بموعدها، لافتاً إلى أنه من المبكر الحديث عن شكل هذا الإطار بشكل واضح؛ لكن المؤكد أن أهدافه ستجعل دوره الرئيسي رصد المخاطر والتهديدات، ويكون بمثابة إنذار استراتيجي مبكر مرتبط بتنسيقات لوجستية وأمنية.

طارق فهمي

يدعم ديفيد دي روش هذا الرأي بالتأكيد أن ما تريده الولايات المتحدة هو تحقيق مستوى أكبر من التكامل العسكري بين القوى الإقليمية بالمنطقة؛ وهو أمر يواجه عقبات عدة عند التطبيق على أرض الواقع، مشيراً إلى أن إدخال إسرائيل في هذا التحالف سيؤدي إلى زيادة تعقيدات الوضع؛ لأن الدول العربية الصديقة لها لديها بالفعل مستوى التعاون العسكري الذي تريده، فضلاً عن كون من غير المرجح انخراط تل أبيب في عملية تخطيط عسكري حقيقي مع الدول العربية؛ لأن هذا الأمر سيتطلب الكشف عن نقاط الضعف لديها، معتبراً أن مستوى التعاون سيزداد بين الدول حتى لو لم يرتقِ هذا التعاون إلى مستوى التحالف الرسمي.

سيخلق التحالف تجمعاً إقليمياً يردع أي توجه إيراني لزيادة نفوذها أو سيطرتها على المنطقة، حسب الأستاذ السابق في كلية الدفاع الوطني الإماراتية بأبوظبي، البدر الشاطري، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن الحديث يدور حول إنشاء ناتو عربي أو شرق أوسطي؛ لمواجهة المخاطر، سواء أكانت من دول مارقة أم من حركات إرهابية.

      اقرأ أيضًا: الشرارة التي قد تشعل الحرب بين إسرائيل وإيران

البدر الشاطري

وأضاف أن الحلف العسكري بين الدول العربية قائم من خلال اتفاقية الدفاع المشترك بين أعضاء الجامعة العربية. وإذا ما أرادت الدول العربية يمكنها أن تفعل هذا الاتفاق، وهناك حلف عسكري إسلامي لمقاومة الإرهاب والتطرف المعروف بـ”التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب” بقيادة المملكة العربية السعودية؛ والذي أُنشئ في 1995، ويمكن البناء عليه لأهداف الدفاع والردع في الإقليم العربي.

تغيير ديناميكي

يشير مايكل شارنوف إلى تغير الديناميكيات الإقليمية في المنطقة خلال الفترة الماضية؛ خصوصاً في العلاقات الإسرائيلية- العربية، وهناك مخاوف من إيران ودورها بشكل مباشر، وهذه المخاوف يجب تفهمها في إطار الأدوار التي تقوم بها طهران بالمنطقة؛ لكن في الوقت نفسه هناك تساؤل عما إذا كانت الدول غير المعترفة بإسرائيل، مثل السعودية على سبيل المثال، ستقبل بوجود تل أبيب في التحالف أم لا.

اقرأ أيضًا: التطلع لمستقبل أفضل في الخليج العربي

مايكل شارنوف

وأضاف خلال حديثه مع “كيوبوست” أنه من الممكن رؤية مزيد من التعاون بين إسرائيل وبعض الدول العربية التي لا تقيم علاقات مباشرة معها؛ لأن الأولويات الإقليمية تغيرت، صحيح أن القضية الفلسطينية لا تزال مهمة للغاية للوطن العربي؛ لكنها لم تعد تحتل الدور المركزي كما حدث خلال العقود الماضية، في ظل النظر إلى إيران باعتبارها التهديد الإقليمي الجديد.

يدعم جزء من هذا الرأي الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والدراسات الشرق آسيوية بالجامعة العبرية في القدس، دان أورباخ، الذي يعتقد في حديث إلى “كيوبوست” أن الترتيبات ستقود إلى “ناتو عربي”؛ لعدم وجود علاقات رسمية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، لكن في المقابل ستكون تل أبيب شريكاً شبه رسمي؛ خصوصاً أن أنظمة الدفاع الإسرائيلية ضرورية لصد الهجمات الإيرانية المحتملة، سواء المباشرة أو عبر حلفائها.

داني أورباخ

وأضاف أن زيارة الرئيس الإسرائيلي لملك الأردن في عمان، والحديث من المسؤولين الأردنيين حول وجود بعض التطورات في الأمور؛ جميعها أمور تصب في هذا الاتجاه، مشيراً إلى وجود اهتمام متزايد بهيكل دفاعي إقليمي مشترك خلال الفترة المقبلة.

يرجح البدر الشاطري وجود تحفظ لدى دول عربية بشأن الحلف؛ خصوصاً أنها ترى انفراجاً كبيراً في العلاقات بين دول المنطقة، وجولة ولي العهد السعودي دليل على التوجه الجديد في المنطقة، كما أن قطر تستضيف المفاوضات النووية غير المباشرة بين طهران وواشنطن، إضافة إلى العراق الذي يرعى الحوار السعودي- الإيراني على أراضيه.

تدعم صحيفة “الأهرام ويكلي” المصرية، ما يقوله الشاطري بتأكيد الهدوء النسبي في العلاقة بين إيران ودول الخليج؛ خصوصاً السعودية في الفترة الأخيرة، والتي شهدت جولات تفاوض ومحادثات للمصالحة بالعراق، وإن كانت لم تسفر عن نتائج ملموسة فهي تعكس وجود آلية للحوار ومؤشر على تغيير كبير بهذه العلاقة.

يختتم الشاطري حديثه بالتأكيد أن زيارة الرئيس بايدن إلى المنطقة تشي بنوع من التفاهم بين بعض الدول العربية وأمريكا؛ لإيجاد صيغة لتشكيل اصطفاف معين ضد ما تعتبره واشنطن دولاً مارقة؛ وعلى رأسها روسيا وإيران، مشيراً إلى أنه سيكون من مصلحة إسرائيل الحد من حالة الانفراج التي تشهدها المنطقة والدخول في أحلاف موجهة إلى أعدائها الإقليميين والابتعاد عن صيغ الحلول والتفاوض مع الفلسطينيين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة