الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

أفغانستان وباكستان.. علاقات معقدة تهدد بالانفجار!

تعد حركة طالبان باكستان إحدى عُقد التوتر بين باكستان وحكومات أفغانستان المتعاقبة.. وأحد أهداف الحركة هو الإطاحة بالحكومة الباكستانية

كيوبوست- منير بن وبر

تولَّى قيادة الجيش الباكستاني، في نوفمبر الماضي، قائد جديد وسط تحديات متزايدة تواجه باكستان؛ حيث يتوجب على القائد الجديد، الجنرال عاصم منير، التعامل مع الخلافات المتزايدة بين الحكومة والمعارضة والتهديدات الإرهابية المتزايدة التي تفرضها جماعة طالبان باكستان.

يختبئ كبار قادة “طالبان” الباكستانية ومقاتلوها في أفغانستان، ومع ذلك، حسب تصريح وزير الخارجية الباكستاني في ديسمبر، فإن العزلة الاقتصادية والحرمان اللذين شهدتهما أفغانستان منذ استيلاء “طالبان” على السلطة، لا يؤديان إلا إلى تغذية الاستبداد والتطرف. وزير الخارجية بيلاوال بوتو زارداري، أكد أيضاً أنه يجب مساعدة حكومة أفغانستان لبناء قدراتها على مواجهة التنظيمات المتطرفة.

اقرأ أيضاً: حكم طالبان في أفغانستان يجدد المخاوف بشأن عودة تنظيم القاعدة

لقي ما لا يقل عن 450 شخصاً في باكستان مصرعهم جراء هجمات إرهابية شنها متطرفون. تعزو إسلام أباد عودة الحوادث الإرهابية إلى سيطرة “طالبان” على أفغانستان. يُعتقد أن أغلب تلك الهجمات تقف خلفها جماعة طالبان باكستان، ومع ذلك يعتقد مسؤولون باكستانيون أيضاً أن هذه الحصيلة لا تُعد مؤشراً على تصاعد التطرف في باكستان؛ حيث إن سنوات من مكافحة الإرهاب أدت إلى نتائج أمنية ملحوظة، في إشارة إلى أن التطرف كان يمكن أن يكون أسوأ مما هو عليه الآن.

العلاقات الأفغانية- الباكستانية

اتسمت العلاقات الأفغانية- الباكستانية بانعدام الثقة والشكوك المتبادلة منذ انتهاء الحرب السوفييتية الأفغانية عام 1989. المصدر الرئيس للتوتر بين البلدَين كان مزاعم دعم باكستان لـ”طالبان” الأفغانية، وهي مزاعم دأبت باكستان على رفضها؛ لكن العديد من المراقبين يعتقدون أن عناصر داخل المؤسسة الأمنية الباكستانية تواصل تقديم المساعدة المالية واللوجستية للجماعة المسلحة.

مقاتلو “طالبان” يرفعون أعلام إمارة أفغانستان الإسلامية في أغسطس 2022- “رويترز”

خلال السنوات الماضية، طالبت الحكومة الأفغانية باكستان مراراً وتكراراً ببذل المزيد من الجهود لقمع الملاذ الآمن لـ”طالبان” على أراضيها؛ وهي مناشدات أسهمت في خلق التوترات بين البلدَين، حيث يتهم كل منهما الآخر بإيواء الإرهابيين. أدى تدهور العلاقات بين باكستان وأفغانستان -قبل الانسحاب الأمريكي وعودة سيطرة “طالبان”- إلى نزوح ملايين الأشخاص وقتل الآلاف، وعرقل، أو منع، المساعدة الإنمائية من الوصول إلى مَن هم في أمسّ الحاجة إليها.

ما يُسهم في إضافة المزيد من التعقيد في ما يتعلق بتاريخ العلاقات الباكستانية- الأفغانية هو الهند. كما هو معروف، لدى باكستان والهند تاريخ طويل ومعقد، وغالباً ما امتد إلى شؤون أفغانستان؛ حيث يُعتقد أن كلاً منهما دعم أطرافاً متعارضة في أفغانستان. لطالما اتُّهم الجيش الباكستاني بدعم حركة طالبان الأفغانية وجماعات مسلحة أخرى؛ من أجل الحفاظ على نفوذها في أفغانستان والحد من النفوذ الهندي هناك، وهي مزاعم تنفيها باكستان.

الهند وأفغانستان

مما يُعقد الوضع في أفغانستان هو حقيقة أن العديد من الأفغان ينظرون إلى باكستان على أنها عدوهم؛ بسبب دعمها حركة طالبان أفغانستان. بينما يرى آخرون منهم الهند كعدو؛ بسبب دعمها الحكومة الأفغانية.

اقرأ أيضاً: طالبان: الهيكل والاستراتيجية والأجندة والتهديد الإرهابي الدولي

لم تعترف الهند بحكومة “طالبان” طوال فترة حكمها الأول (1996- 2001)، كما يُزعم أنها دعمت المقاومة المناهضة لـ”طالبان” آنذاك. دعمت الهند لاحقاً حكومات أفغانستان المتعاقبة بعد الإطاحة بـ”طالبان”، وكان لها حضور دبلوماسي ودعم قوي قبل أن تتلاشى من جديد بعد عودة “طالبان” في 2021؛ لكن خلال أكثر من عام من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سعت “طالبان” إلى التقارب من الهند لأسباب عديدة، بينها توفير نفوذ أفضل في علاقة “طالبان” مع باكستان.

 في المقابل، تشمل مخاوف الهند سماح “طالبان” للجماعات الإرهابية المناهضة للهند بالعمل خارج الأراضي الأفغانية؛ لذلك يُعتقد على نطاق واسع في الهند أن الاستثمار في الموارد البشرية في أفغانستان، بالإضافة إلى المساعدات الأخرى، يمكن أن يُسهم بشكل كبير في بناء مستقبل أفضل لأفغانستان أقل تهديداً في المنطقة.

حركة طالبان باكستان

تعد حركة طالبان باكستان إحدى عُقد التوتر بين باكستان وحكومات أفغانستان المتعاقبة؛ أحد أهداف الحركة هو الإطاحة بالحكومة الباكستانية، كما كان تحالف باكستان مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب أحد الأسباب التي قادت إلى غضب العديد من المسلحين الباكستانيين، والذين انضموا إلى حركة طالبان أفغانستان.

قوات الجيش الباكستاني تقوم بدورية على طول السياج على الحدود الباكستانية/ الأفغانية- AP

انبثقت حركة طالبان باكستان من حركة طالبان الأفغانية، ونفذت هجمات داخل باكستان وأفغانستان. على الرغم من أن “طالبان باكستان” جماعة منفصلة عن “طالبان أفغانستان”؛ فإنها منحازة إليها، وكانت هناك تقارير عن عمليات مشتركة بين الجماعتَين. كما شجعت سيطرة “طالبان” على أفغانستان حركة طالبان باكستان على تزايد نشاطها في باكستان؛ خصوصاً مع توفير أفغانستان ملاذاً آمناً لكبار قادة مقاتلي الحركة.

تبنَّت “طالبان باكستان” مئات الهجمات المميتة في باكستان خلال الأعوام الماضية؛ بما في ذلك هجوم عام 2014 على مدرسة يديرها الجيش في مدينة بيشاور، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 147 شخصاً.

خلال العام الأول من عودة “طالبان أفغانستان” إلى الحكم، وقع المئات من الباكستانيين ضحايا لهجمات “طالبان باكستان”؛ أغلبهم من قوات الأمن الباكستانية، ووقع معظم الحوادث في المناطق المتاخمة للحدود الأفغانية.

اقرأ أيضاً: حان الوقت للتشدد مع “طالبان”

توجد قناعة متزايدة لدى المسؤولين الباكستانيين بأن سبب تزايد النشاط الإرهابي يعود إلى عودة سيطرة “طالبان” على أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي. مع ذلك، يرى آخرون أن حجم وخطورة الحوادث الإرهابية ضئيل مقارنةً بالفترة الماضية منذ نشأة الحركة، وأن المناطق المتأثرة هي مناطق مضطربة أساساً منذ عقود؛ بسبب كونها “محكومة بقوانين خاصة مثيرة للجدل وكانت بمثابة ملاذ آمن لكل من الجماعات المسلحة المحلية والأجنبية”، حسب تصريح مسؤول باكستاني لإذاعة “صوت أمريكا”.

محاولات لإصلاح الوضع

وبغض النظر عن مستوى التهديد؛ فإن التوترات الأخيرة على الحدود الباكستانية- الأفغانية ليست عابرة، وهي بالتأكيد سبب مقنع لتقييم العلاقة وترتيبها بشكل يضمن تحالف وأمن البلدَين. إن العنصر الحاسم لإعادة بناء أفغانستان مستقرة ومزدهرة هو عدم تشكيلها تهديداً لأي من جيرانها.

في تصريح لإذاعة “صوت أمريكا”، قال ذبيح الله مجاهد، المتحدث الرسمي باسم حكومة طالبان، إنهم مصممون على معالجة المخاوف الأمنية لجيران أفغانستان، وسوف يعتقلون بتهمة “الخيانة” أي شخص يستخدم الأراضي الأفغانية ضد باكستان. وعلى الرغم من التشكيك الذي يبديه البعض من مزاعم “طالبان” والتأكيد أنها الشريك الأيديولوجي والعملي لـ”طالبان باكستان”؛ فإن جهود إصلاح الوضع لا يتم تجنبها.

اقرأ أيضاً: أفغانستان بعد عام من حكم طالبان: أوضاع كارثية وتهديدات أمنية متصاعدة

قاد قمر جاويد باجوا، قائد الجيش الباكستاني السابق، سلسلة من العمليات ضد المسلحين؛ لطردهم من الحدود مع أفغانستان، كما أطلق محادثات سلام مع حركة طالبان باكستان. وافقت الحركة -في مايو- على وقف إطلاق النار لأجل غير مسمى بعد محادثات مع الحكومة الباكستانية ومسؤولين عسكريين في أفغانستان؛ لكن ما لبثت أن تراجعت -في نوفمبر- وتعهدت بشن هجمات جديدة. وقالت الجماعة إن ذلك جاء بعد أن كثَّف الجيش الباكستاني عملياته ضدها.

 يُنظر إلى تراجع “طالبان باكستان” عن اتفاق وقف إطلاق النار بمثابة انتكاسة للجهود التي تبذلها حركة طالبان الأفغانية لتسهيل اتفاق سلام يهدف إلى إنهاء العنف؛ وهذا ما يدفع إسلام أباد -على ما يبدو- إلى التمسك بـ”طالبان أفغانستان”، رغم المخاوف من تصاعد الحوادث الإرهابية داخل وخارج أفغانستان، كطرف مهم للحوار مع “طالبان باكستان”؛ إذ لطالما استخدمت “طالبان” الباكستانية المناطق الحدودية الوعرة في أفغانستان كمخابئ، ولشن هجمات عبر الحدود في باكستان.

وزير الخارجية الباكستاني في مقابلة مع وكالة “أسوشييتد برس”- AP

في هذا الصدد، قال وزير الخارجية الباكستاني إن المجتمع الدولي يجب أن يعمل مع حركة طالبان في أفغانستان، وليس ضدها، وذلك عندما يتعلق الأمر بمحاربة الجماعات المتطرفة الأجنبية في ذلك البلد. يبدو أن وجهة النظر هذه -التي اعتبرها البعض مثيرة للجدل- تنبثق من حقيقة أنه فقط من خلال ضمان الاستقرار يمكن إحياء الأمل بمحاربة القوى المتطرفة التي تسعى إلى تدمير كل ما عمل الشعب الأفغاني بجد من أجله؛ وهي مهمة شاقة بلا أدنى شك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة