الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

أعلام روسية في بوركينا فاسو.. واشنطن تحذر واغادوغو من جلب (فاغنر)

علاقة روسيا بالانقلاب الأخير في بوركينا فاسو تتكشف شيئاً فشيئاً وتنذر بنهاية وشيكة للنفوذ الغربي في هذه القارة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بينما تتصاعد وتيرة العمليات الجهادية على نطاق واسع في المثلث الحدودي بين بلاده وجمهوريتَي مالي والنيجر، نصَّب النقيب إبراهيم تراوري (34 عاماً) نفسه رئيساً جديداً للمجلس العسكري في بوركينا فاسو، بعد إقالته قائدَ الانقلاب، المقدم بول هنري سانداوغو داميبا، في ثاني انقلاب تشهده البلاد خلال ثمانية أشهر فقط.

وفي أول خطاب له، الأحد الماضي، طالب تراوري دولَ العالم بدعم بلاده لتخطي ما سمَّاها الأوقات الحرجة التي تمر بها، وأضاف: سنقبل أي دعم؛ سواء أكان روسياً أم أمريكياً أم من أية قوى خارجية أخرى مستعدة للمساعدة في حلحلة المشكلات الأمنية التي تعانيها البلاد.

وعلى خُطى الزعيم البوركيني الثوري “توماس سانكارا”، الذي حكم بلاده “1983- 1987” من خلال انقلاب عسكري، وكان وقتها في نفس عمر تراوري، رد الأخير ذات عبارته الشهيرة “سنبدأ العمل في الاتجاه الذي نريده”.

وبينما رفع بضع مئات من أنصاره الأعلام الروسية وهم يجوبون الشوارع الرئيسية في العاصمة واغادوغو، خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيدانت باتيل، إلى مؤتمر صحفي، محذراً إياه من مغبة التحالف مع روسيا.

اقرأ أيضاً: ماذا ستكسب روسيا من انقلاب بوركينا فاسو؟!

وأضاف باتيل أن “البلدان التي انتشرت فيها (فاغنر) أصبحت ضعيفة وأقل أمناً، وقد رأينا ذلك في عدة حالات؛ في إفريقيا وحدها”، وأردف: “نُدين أية محاولة لمفاقمة الوضع الحالي في بوركينا فاسو، ونشجع بقوة الحكومة الانتقالية الجديدة على الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه للعودة إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً”.

في الوقت نفسه، أبدت “فاغنر” استعدادها لتقديم دعم قوي وغير محدود لمنفذي الانقلاب؛ حيث أصدر ألكسندر إيفانوف، قائد المجموعة في جمهورية إفريقيا الوسطى، بياناً، بعد الانقلاب بيوم واحد، أبدى فيه تأييداً غير مشروط للزعيم الجديد في واغادوغو، وعرض عليه خدمات “فاغنر” لتدريب جيش البوركيني.

ولم يلبث يفغيني بريغوجين، رجل الأعمال المقرب من الكرملين ومؤسس “فاغنر”، إلا قليلاً، حتى كتب منشوراً على شبكات التواصل الاجتماعي كشف فيه عن تأييده ودعمه النقيبَ إبراهيم تراوري ورجاله، ووصفهم بأنهم “قاموا بما هو ضروري لمصلحة شعبهم”.

قائد الانقلاب النقيب إبراهيم تراوري- وكالات

علاقة مؤكدة

وفي السياق ذاته، أشار المحلل والباحث السياسي عبدالله جرمة، في مداخلة مع “كيوبوست”، إلى أن علاقة “فاغنر” بانقلاب تراوري مؤكدة؛ حيث طفحت الكثير من التسريبات على السطح قبل أسبوع من الانقلاب على داميبا، بخلافات جذرية بينه وبين ضباط كبار في مجموعته كانوا يحاولون الضغط عليه لقبول توظيف “فاغنر” لتدريب الجيش ودعمه في عمليات مكافحة الإرهاب المُتعثرة، فضلاً عن تولي مهمة الحماية الشخصية لأعضاء المجلس العسكري؛ لكنه رفض فذهب.

ويضيف جرمة: لم تكن المظاهرات التي سبقت انقلاب تراوري بساعات قليلة فعلاً عفوياً وليد لحظته؛ بل نُظمت بتدابير مسبقة، كما الحال في ما يتعلق برفع الأعلام الروسية والهتافات المؤيدة لروسيا والمنددة بفرنسا التي تفقد نفوذها في غرب إفريقيا بشكل متواتر ومتسارع؛ فبعد أن سيطرت “فاغنر” التي تعتبر “جيش الظل الروسي”، بتعبير جرمة، على إفريقيا الوسطى وبسطت نفوذها على المجلس العسكري الحاكم في مالي المجاورة لبوركينا فاسو، وتمددت إلى السودان من خلال قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، فما الغرابة في أن نراها في واغادوغو؟

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

عبدالله جرمة

ويفسِّر جرمة ما أطلق عليها اختراقات “فاغنر” الاستراتيجية للمنظومات العسكرية والأمنية في غرب ووسط إفريقيا، بأنها ناجمة عن فشل فرنسا والغرب في لعب أدوار إيجابية في تلك المنطقة، علاوةً على الحاجز النفسي بينها وبين الشعوب التي استعمرتها واستفادت من مواردها الزاخرة والكبيرة لعقود طويلة؛ لم تُحدِث خلالها أي نوع من التطور والتنمية، ومع ذلك لم تتركها لإدارة شؤونها بمعرفتها والتمتع بمواردها، بعد نيلها استقلالها. ويبدو أن الوجود الفرنسي في إفريقيا ذاهب إلى نهايته الحتمية، وأن روسيا والصين ستضعان أقدامهما بقوة كبديل، لجهة أن ليس لديهما ماضٍ استعماري في المنطقة.

بيانات بلا صدى

مؤيدون لتراوري يجوبون شوارع واغادوغو- وكالات

من جانبه، لفت الصحفي المهتم بالشؤون الإفريقية حسن طويل، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن ما يصدر من بيانات إدانة وتنديد عن واشنطن وباريس والعواصم الغربية عموماً للوجود الروسي في غرب القارة؛ لا يُسمع صداه في إفريقيا، ولا يأبه به أحد، فالشعوب والحكام العسكريون أو المدنيون المنتخبون لا يتفقون إلا على أمر واحد؛ هو أن الماضي الاستعماري والسياسات الغربية الراهنة تجاه إفريقيا، هي أساس التخلف والحروب والفقر والجهل التي تعانيها شعوب ودول القارة.

اقرأ أيضاً: بوركينا فاسو.. انقلاب جديد يقوض جهود مكافحة الإرهاب

حسن طويل

وتساءل طويل: ماذا فعلت فرنسا والإرهاب يتمدد ويضرب منطقة الساحل في وجود جيوشها؟ وماذا قدمت الولايات المتحدة لتلك البلدان لدرء هذا الخطر الماحق، غير بيانات الشجب والاستنكار؟

وعليه، يمضي طويل قائلاً، فإن الوجود الروسي يجد ترحيباً كبيراً من الشعوب والنُخب، وبينما تخرج التظاهرات المنددة بفرنسا في تشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وإفريقيا الوسطي، تهدر الشوارع بمسيرات التأييد لدور روسي مطلوب في المرحلة الراهنة ولو على سِنان “فاغنر”، وفقاً لتعبيره.

بتكلفة أقل

الانقلابيون يحكمون سيطرتهم على العاصمة- وكالات

إن النجاح النسبي الذي حققته “فاغنر” في خلق حالة من الاستقرار الأمني في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ حيث استعادت الأراضي من الميليشيات المسلحة ومنعت المتمردين من الإطاحة بالحكومة، يغري جنرالات بوركينا فاسو في النظر إليها كمنقذ -بتكلفة أقل- للبلاد من خطر الجماعات الإرهابية بجانب حمايتهم من أي انقلابات مضادة؛ لذلك فإن واغادوغو في ظل حكم الطغمة الانقلابية، أقرب من أي وقت مضى إلى إبرام صفقة مع روسيا، وهذا ما يمكن قراءته بالنظر إلى عدة مؤشرات واقعية؛ على رأسها: تنديد أنصار تراوري بالوجود الفرنسي، ورشق السفارة الفرنسية بالحجارة وحرق جزء منها واتهامها بإيواء الرئيس السابق هنري داميبا، مُقابل رفع الأعلام الروسية والترحيب بموسكو في واغادوغو؛ للمساعدة في وقف الانهيار الوشيك للدولة التي يسيطر الجهاديون على جغرافية واسعة منها، الأمر الذي تسبب في نزوح نحو مليونَي شخص يمثلون نحو 10 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 22 مليون نسمة؛ لذلك فإن أية محاولة من اشنطن وباريس بمعاقبة بلد هش مثل بوركينا فاسو لن تساعد في الحل، وستضاعف الغضب الشعبي عليهما، حسب طويل، الذي استطرد قائلاً: بدلاً من ذلك فإن عليهما المساعدة في دعم استمرارية التحول الديمقراطي في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) والتي ستؤثر في المدى المنظور على أنظمة الحكم العسكرية والاستبدادية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة