الواجهة الرئيسيةترجمات

أطفال سجون “داعش” يتساءلون: كيف سيكون مصيرنا؟

كيوبوست

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز”، مؤخرًا، عن أزمة إنسانية وقانونية على نطاق واسع من خلال قيام صحفييها بزيارات إلى السجون التي سبق وأودع فيها أعضاء تنظيم داعش في شمال شرق سوريا؛ ليكشفوا الغطاء عن ذلك الوضع البائس الذي اختار العالم أن يتجاهله لفترة طويلة.

فبعد سقوط تنظيم الدولة الإسلامية وانهيار الخلافة التي أعلنها في سوريا، قامت الميليشيا الكردية المدعومة من الولايات المتحدة باعتقال عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال؛ كانوا يعيشون تحت حكم الخلافة حتى سقوط دولتهم الدينية، ومن ثَمَّ اقتيدوا إلى معسكرات اعتقال أقل ما يُقال عنها إنها بائسة. وقد انفجر الحديث عن هؤلاء المعتقلين في السجون الكردية بعد قيام تركيا بغزو المنطقة، وهو الهجوم الذي أسفر عن تولُّد موجة جديدة من العنف، كما أضعف قبضة الأكراد على المنطقة، ومن ثَمَّ بدأ التساؤل عن مصير تلك الأعداد الضخمة من المحتجزين.

شاهد: فيديوغراف.. مصير أطفال ونساء متطرفي “داعش

ورغم كل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي؛ فإن هذا المشهد لا يمكن تصنيفه تحت أي بند إنساني. 150 طفلًا تتراوح أعمارهم بين التاسعة والرابعة عشرة جاؤوا من دول مختلفة يفترشون الأرض؛ بعضهم فقد عينًا أو طرفًا من أطرافه في أثناء الحرب، والبعض الآخر في حالة من الإعياء والهزال يُرثى لها. هكذا يقبع أطفال “داعش” في سجون شمال شرق سوريا، موزعين على زنزانتَين بالكاد يدخلهما ضوء الشمس؛ ككومة من العظام ترتدي البزات البرتقالية، تلك التي كان يجبر تنظيم الدولة أسراه على ارتدائها قبل أن يقتلهم.

البداية بالحل الأخير

لقد جاء بهم آباؤهم إلى سوريا لتنتهي بهم الحال قتلى أو معتقلين، ومن ثَمَّ ظلوا في محبسهم ذاك لشهور متواصلة بلا أدنى فكرة عما سيسفر عنه المستقبل، وهم يحاولون تلمُّس الأخبار عما حدث لذويهم؛ لكنهم لا يجدون إلا الفراغ.

“أود أن أسأل: ما الذي سيحدث لنا؟ هل سيأتي يوم يطلقون فيه سراح الأطفال؟”، هكذا تساءل طفل من سورينام، من داخل زنزانته. وقد رفض كثير من البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء استقبالهم، وهو أمر متوقع؛ حيث تخشى تلك الدول من فتح أبوابها لحملة الفكر الجهادي، وبالتالي تعرضها إلى هجمات متطرفة من قِبَلهم؛ لذلك فضلت حكومات تلك البلدان أن تترك الأمر تحت تصرف الأكراد الذين لم يمتلكوا الموارد الكافية لإطعام أو استضافة أو حماية كل هؤلاء المعتقلين، فضلًا عن عدم قدرتهم على تعليم أطفال السجناء أو إعادة تأهيلهم.

اقرأ أيضًا: تداعيات التدخل التركي في شمال شرق سوريا

ولم ينجح الأكراد في الوفاء سوى بالقليل جدًّا من اشتراطات التعامل مع الأطفال؛ فالمعايير الدولية تقتضي منح الأولوية للأطفال حتى في حالة الاشتباه فيهم، فضلًا عن توفير الرعاية الطبية والنفسية لهم؛ لأنه من المفترض أن يكون السجن في مثل تلك الحالات هو الحل الأخير.

ويعاني هؤلاء الأطفال وضعهم الصعب داخل زنازين مكتظة؛ تبلغ كثافة الواحدة منها نحو 86 طفلًا؛ من بينهم سوريون وعراقيون وروس وآخر من جزر القمر، بينما يعيش نحو 67 طفلًا آخر في زنزانة منفصلة. بينما أشار أحد هؤلاء الفتيان إلى أن عمره لا يتجاوز التاسعة، وذلك قبل أن يسأل: “لماذا لم يفكر السجانون في تقديم الفاكهة لنا ولو لمرة واحدة؟”.

اقرأ أيضًا: أطفال “داعش”.. ضحايا التنظيم أم الحكومات؟

لقد بدأت تلك الحيرة حول مصير المحتجزين منذ اللحظة التي أعلن فيها ترامب قراره الخطير حول شمال شرق سوريا، وذلك حين قرر سحب قواته من المنطقة، فاتحًا المجال أمام الأتراك لاجتياحها؛ وهو الموقف الذي وُصف بـ(تخلي أمريكا المفاجئ عن حلفائها)، ولا يمكن كذلك أن ننسى أن هؤلاء الحلفاء من الأكراد هم الذين وقفوا إلى جوار الولايات المتحدة في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

تفاقم الأوضاع

وتسبب الغزو التركي في تفاقم الأوضاع؛ حيث اضطر الأكراد إلى ترحيل كثير من السجناء إلى مناطق بعيدة عن الحدود، ما أسهم في تعظيم ازدحام السجون بالمعتقلين، كما اضطر كثيرون من حراس السجن إلى التوجه إلى الجبهة لحماية الأراضي الكردية؛ وهو ما نتج عنه ضعف تأمين أماكن الاحتجاز، ومن ثَمَّ ازدادت المخاوف من قيام المعتقلين بأي تمرُّد، أو حتى من أن يفكر “داعش” في شن بعض الهجمات بهدف تحرير أعضائه المحتجزين.

ترامب يتحدث عن صفقته مع الأتراك أمام حشد من مؤيديه في تكساس- منتصف أكتوبر الماضي

لقد عبَّر مساعد مدير أحد تلك السجون ويُدعى “كان بالوط”، عن خطورة الموقف، قائلًا: “نحن على يقين تام من أن تمكُّن هؤلاء المحتجزين من الهرب سيشكل خطورة علينا جميعًا، واحتفاظنا هنا بتلك الأعداد دون وجود بدائل لن يُشَكِّل خطرًا على سوريا وحدها؛ بل على العالم أجمع”. ومن الجدير بالذكر أن بالوط يقوم بواجب الحراسة في سجن يحتوى على 5000 رجل.

اقرأ أيضًا: الغزو التركي للأكراد.. خيانة ترامب المخجلة لسوريا

إن أزمة المحتجزين في السجون الكردية لم تكن إلا نتاجًا مباشرًا للحرب على تنظيم داعش الإرهابي؛ ففي اللحظة التي تراجع فيها تنظيم الدولة وخسر آخر المقاطعات التي كان يسيطر عليها في سوريا، وجد الأكراد أنفسهم مضطرين إلى تحمُّل مسؤولية 11000 رجل من صفوف التنظيم المنهزم، فضلًا عن عشرات الآلاف من النساء والأطفال الذين اضطر الأكراد إلى احتجازهم.

وقد جاء كثير من أولئك السجناء من مناطق أخرى؛ كأوروبا وآسيا وإفريقيا والمنطقة العربية، ومن ثَمَّ رفضت بلدان هؤلاء المحتجزين استقبالهم، وبدلًا من عودتهم إلى الاحتجاز أو حتى إعادة دمجهم مع مجتمعاتهم الأصلية، وجد الأكراد أنفسهم مضطرين إلى بناء معسكرات اعتقال ونظام سجن، حدث ذلك بمساعدة الولايات المتحدة، كما قاموا بالاستفادة من أماكن الاحتجاز الحكومية التي وضعوا أيديهم عليها، كما حوَّلوا بعض المدارس والمنشآت الأخرى إلى معسكرات اعتقال.

النازحون من شمال سوريا بعد الهجوم التركي

لدينا السجن الذي يعمل فيه بالوط على سبيل المثال، وهو المكان الذي يستضيف نحو 5000 رجل لم يكن سوى معهد للتعليم الصناعي في السابق؛ لكنه تحوَّل في ما بعد إلى سجن يضم محتجزين من 29 دولة؛ من بينهم العراق ومصر وأفغانستان وهولندا والولايات المتحدة، ذلك فضلًا عن السوريين الذين يشكلون ربع تعداد المعتقلين.

اقرأ أيضًا: تركيا.. ترانزيت الجهاد ونُزُل الإرهابيين وحليفة “داعش”

لقد تم فتح أبواب المعهد الصناعي ذاك؛ لاستقبال المقبوض عليهم بعد انهيار تنظيم الدولة الإسلامية مباشرةً، ومن ثَمَّ تبرعت قوات التحالف بعدد كبير من البزات البرتقالية؛ لمنحها للمسجونين. يحكي بالوط عن تلك الواقعة بعض الأمور؛ من بينها أن المحتجزين ارتعشوا من شدة الرعب حال تسليمهم البزات البرتقالية تلك، لأنهم تذكروا قيامهم بإجبار أسراهم على ارتداء الملابس نفسها قبل أن يقوموا بذبحهم. وفي تلك اللحظة، تخيَّل أعضاء “داعش” السابقون أنهم على وشك التعرُّض إلى السيناريو نفسه.

اختلفت القصص والجاني واحد

الآن تكتظ هذ السجون بأصحاب البزات البرتقالية؛ لدينا في القسم الطبي على سبيل المثال 400 رجل معظمهم يرتدون نفس الملابس، أغلب هؤلاء جاؤوا إلى المكان في حالة من الإعياء أو بعد تعرضهم إلى الإصابة؛ حيث يمكننا رؤية بعض الرجال المزودين بالدعامات المعدنية؛ لتثبيت عظامهم المكسورة وهم يستلقون على أسرَّتهم، ومنهم مَن لا يستطيع الحركة سوى بمساعدة الركائز، والمحظوظ منهم يتمشَّى بقدم تجر أخرى.

وبتأمُّل وجوه هؤلاء المحتجزين، يمكن رؤية عظام وجوههم البارزة وأرجلهم التي أصابها الهزال؛ حتى لا يمكن تمييز رِجل الفرد فيهم عن ذراعه. وحينما قام أحدهم بالتكبير لإعلان حلول موعد الصلاة، انضم كثيرون منهم لأداء الصلاة جالسين؛ بسبب عدم قدرتهم على الوقوف. وقد أكد لنا حراس السجن الأكراد حقيقة أن هؤلاء الرجال ما زالوا حتى الآن مقتنعين بالأيديولوجية المتطرفة ذاتها التي أتوا بها من “داعش”؛ لكن السجناء أنفسهم كانوا يؤكدون العكس.

اقرأ أيضًا: من الجريمة إلى الجهاد: السجون أرضية خصبة لتجنيد الجهاديين

لدينا بعض الأمثلة على سجناء يؤكدون عدم مشاركتهم في جرائم تنظيم الدولة؛ حيث أكد أحد المحتجزين، وكان رجلًا فلسطينيًّا، أنه جاء إلى سوريا؛ لأنه (أراد المساعدة ليس إلا)، بينما أشار معتقل آخر ينتمي إلى ترينيداد، ويعمل ميكانيكيًّا، إلى أنه لم يشارك في القتال؛ لأنه قضى معظم الوقت في إصلاح السيارات. بينما أكد سجين ثالث، روسي الجنسية، يتميز بالطول وقوة البنية، أنه ظل معظم الوقت يؤدي مهمته كطاهٍ في إحدى المدارس الابتدائية.

المدهش أنه في كل مرة كان يتم فيها استجواب المعتقلين كانوا ينفون قيامهم بمهمات القتال في أثناء وجودهم بالتنظيم، حدث ذلك في عدد هائل من اللقاءات. وقد أبدى معظم هؤلاء رغبتهم في العودة إلى بلدانهم أو حتى تمنوا لو كان “داعش” سمح لهم بالعودة. يقول باسل كارازون، أحد المعتقلين: “بعض الناس سيعترفون بعملهم كمقاتلين في صفوف التنظيم، سيقولون لك لو تمكنت من الخروج سأعود إلى استكمال مسيرتي السابقة، بينما سيحكي لك آخرون عن تعرضهم إلى الخداع من قِبَل قيادات الدولة الإسلامية؛ لكن بالنسبة إليَّ فقد انضممت فقط؛ بغرض الحصول على الحماية، لقد كنت خائفًا بشدة؛ خصوصًا في ظل غياب حماية الجيش السوري”.

أما عبد الحميد المديوم، فكان يعيش في زنزانة أخرى تضم نحو 99 رجلًا؛ معظمهم تعرَّض في السابق إلى إصابات أفقدته قدمًا أو ذراعًا. بينما يقدم المديوم نفسه باعتباره أمريكيًّا، ويحكي عن حياته السابقة بالقرب من مينوبوليس. وأشار المديوم إلى قصة عمله في شركة “جامبا جوس”، في الولايات المتحدة في أثناء دراسته في المدرسة الثانوية، وأن أحد أصدقائه في ذلك الوقت كان ملحدًا، وأحدهم كان مسيحيًّا؛ لكنه فكَّر بعد ذلك في الانضمام إلى صفوف “داعش” في الوقت الذي كان يدرس فيه الهندسة، لذلك قرر الانتقال إلى سوريا.

اقرأ أيضًا: كيف تتعامل الحكومة الإسبانية مع العائدين من “داعش”؟

 وتعرض الشاب بعد عدة أشهر إلى الإصابة خلال إحدى الضربات الجوية؛ ما أسفر عن خسارته إحدى ذراعَيه، ثم ألقي القبض عليه من قِبَل القوات الكردية. بينما لقيت زوجته حتفها إثر إصابتها بطلق ناري في وقت لاحق من العام نفسه، فضلًا عن اختفاء طفلَيه البالغَين من العمر عامَين وأربعة أعوام. ويضيف المديوم تعقيبًا على مأساته: “أعترف بأنني اتخذت قرارًا خاطئًا، وسأظل أعترف بخطئي لنهاية عمري”.

بلا سبب واضح

لا يوجد تفسير واضح حتى الآن حول السبب الذي دفع الأكراد إلى اعتقال الأطفال، فضلًا عن حشدهم في زنازين مكتظة لا تسمح حتى بوجود فراغات بسيطة بين الأسرّة والبطاطين التي يستلقي عليها هؤلاء الصبية. أتذكر جيدًا تلك اللحظة التي فتح فيها أحد الحراس نافذة صغيرة في باب الزنزانة، لحظتها ازدحم الأطفال فجأةً خلف الباب، فقط ليحصلوا على نظرة واحدة إلى العالم الخارجي.

اقرأ أيضًا: أطفال متطرفي “داعش”.. ملف يؤرِّق الحكومة الفرنسية 

وطبقًا لمعايير الأمم المتحدة الخاصة بإدارة الشؤون القانونية للأحداث، فإنه لا يمكن السماح بسجن الأطفال حتى بالنسبة إلى المشتبه فيهم في ارتكاب جرائم، والحالة الوحيدة التي يمكن فيها السماح بذلك هي أن يكون السجن هو الحل الأخير، على أن يتم ذلك لأقصر مدة ممكنة، وحتى تتم محاكمتهم. وقد ارتكب “داعش” جرمًا كبيرًا باقتياد هؤلاء الأطفال للمشاركة في المعارك، بينما نعيد تكرار الخطأ نفسه باحتجازهم بلا سبب واضح، ذلك مع العلم أن أيًّا من هؤلاء الأطفال لم يتم حبسه في انتظار محاكمة؛ لأن السلطات السورية الكردية لا تقوم بإجراء محاكمات للأجانب.

كما تقتضي معايير الأمم المتحدة توفير المساعدات الضرورية للأحداث؛ من بينها توفير التعليم والرعاية الصحية والاستشارات النفسية، لكن ما حدث على أرض الواقع هو أن معظم هؤلاء الأطفال لم تتوفر لهم أغلب تلك الخدمات. يقول أحد الأطفال المحتجزين في سجون “داعش” شمال شرق سوريا، يبلغ من العمر 16 عامًا، وينتمي إلى دولة موريشيوس: “إن الموقف هنا شديد الصعوبة، أتمنى أن يسرعوا في اتخاذ القرار، إن مرور أشهر عديدة على إنسان في هذا الوضع دون أن يعلم مصيره لهو أمر يدفع إلى الجنون. أنا أعلم أنهم يقولون (لقد خدم هؤلاء الإرهابيون في صفوف “داعش”)؛ لكن إذا كنا إرهابيين بالفعل فما من شك أننا ما زلنا بشرًا”.

اقرأ أيضًا: العائدون من “داعش”.. الخطورة والمصير

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة