الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

أصوات مفقودة في الحارة

كانت الحارة مكوناً أساسياً في وعينا، كان البقاء خارج البيت شيئاً مستساغًا بل مرغوباً، لم نكن نقول ولد شوارع على سبيل الوصف الدوني؛ لأننا كنا كلنا في الشارع معظم الوقت كباراً وصغاراً.. هذه ليست مبالغة؛ فأنا أتذكر أن الساحة وسط الحارة كانت كرنفالاً.

فؤاد العسيري♦

ضحكات الأطفال، عجلات دراجاتهم، كرة قدم تضرب في حائط، فتاة في أرجوحة، نساء يتبادلن الأحاديث، صخب أمام المخبز، مذياع المقهى، تمايل الأشجار، حديث الرجال عند العمدة، أو الدكة أو المركاز أمام المنزل، عربة بياع الحظ (شختك بختك)، طبول عرس في شارع، أم كلثوم من سطح منزل…

هل تتذكرها؟ فأنا أتذكرها جيداً وشكلت جزءاً كبيراً من شخصيتي وتكويني في الطفولة، وأكسبتني تجارب يومية لا تقدر بثمن.

نعم هي أصوات الحارة.

أين ذهبت؟ 

اختفت مع الحارة متنوعة الأنشطة الحضرية عندما أتى الحي السكني ولا شيء معه، وبالطبع لا ينبغي أن نفترض أنها لن تتغير؛ ولكن ليس جذرياً بل تأخذ شكلاً خارجياً جديداً يتناغم مع الحداثة العصرية؛ لأن عدم التغيُّر شيء مستحيل؛ وهو ما حصل في كثير من المدن حول العالم التي حافظت على نسيجها العمراني وحيوية المكونات وتفاعلها مع بعضها، وطورت ذلك بالتكنولوجيا الحديثة؛ ولكن ما حدث في مدننا هو أن الحارة اختفت كلياً من معظمها واستُبدلت بالممرات الحية الشوارع الواسعة الميتة غير المتطورة وغير المرصوفة، واستُبدلت بالساحة العضوية أو الباحة وسط الحارة مواقف سيارات الجامع التي تقف فيها الشاحنات غالباً أو سيارات السكان، وبدل الدكة أو المركاز زادت الأسوار العالية، وبدل تبادل الوجبات بين المنازل زادت سيارات الدليفري، وبدل المنزل الذي يوفر مساحة كافية للأفراد زادت الفلل الواسعة التي تفوق حاجة الساكن، وكثير منها شبه المهجورة أو هكذا تبدو.

أحد حارات جدة في السبعينات – المصدر: Bizzie Frost Photography FRPS

لا يمكن فصل العوامل الاجتماع- اقتصادية socio-economic، التي تغيرت فجأة في السبعينيات والتي قلبت المجتمع رأساً على عقب، وأغرت السكان والبلديات بنمط سكني فج يلبي استهلاكاً عالياً في المساحات دون أية إضافة حضرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية؛ والتي جعلت الانتقال بين مكون عمراني وآخر في الحي يعتمد على السيارة كلياً وليس على المشي؛ بل إن حتى صناديق التمويل العقاري الحكومية أسهمت في ذلك بشكل مباشر، وكان من المفترض أن تنظر إلى الجودة والقيمة الحضرية والكيف قبل الكم والهدر.

في طفولتي عشت في عدة مدن؛ في إحداها كان الصباح في الحارة مترافقاً مع رائحة حطب التنور وبرودة الضباب وزخات المطر وصياح الديكة وخرير مياه البساتين التي كنا نعبر منها إلى المدرسة، وفي المدينة الأخرى كان الصباح مترافقاً مع أهازيج كتيبة سلاح المظلات التي كانت تهرول صباحاً وسط الحارات مع الطلاب الذاهبين إلى المدارس؛ كنوع من التغيير وبث روح الحماس في السكان وزيادة الارتباط بهم.

كانت الحارة مكوناً أساسياً في وعينا؛ كان البقاء خارج البيت شيئاً مستساغاً بل مرغوبًا، لم نكن نقول ولد شوارع على سبيل الوصف الدوني؛ لأننا كنا كلنا في الشارع معظم الوقت، كباراً وصغاراً.. هذه ليست مبالغة؛ فأنا أتذكر أن الساحة وسط الحارة كانت كرنفالاً عصر كل يوم ترى فيه كل السكان رجالاً ونساءً وأطفالاً بين زيارات ولعب وجلسات شاي.

اقرأ أيضًا: هل تترك المدينة لتستقر في الريف؟

كانت ساحة المسجد محاطة بالوسادات؛ لكي يرتكن عليها الرجال ليتبادلوا الأحاديث الودية لعدة دقائق؛ فهو مكان روحي وملائم ومحايد ومسالم قبل أن يستولي عليه الواعظ المتجهم.. أتذكر أن مسجدنا كان خيمة كبيرة مكتوباً عليها جيش عربي سعودي (ج.ع.س). وأتذكر عندما أسقطوها واستبدلوا بها البناء بالبلك وكيف أسهم الجيران كلهم في ذلك. 

بعض نساء الحارة كن متخصصات في البيع؛ تجد عند أمي آمنة الخيّاطة الملاءات والفساتين وأغطية الكراسي، وتجد عند جارتنا أدوات المدرسة، وأخرى كانت تبيع الخضار من حديقتها، ورابعة كانت تبيع الآيس كريم الذي تصنعه.. وهكذا كان الطفل يمر على أكثر من بيت خلال الأسبوع، ويعرف كل سكانه ويعرفونه.

كنت أتساءل: هل فعلاً كنا نحتاج إلى ربات منازل يبعن تلك المستلزمات، أم أنهن كن يردن المحافظة على نمط المهن وسط الحارات؟ وهو نمط ما قبل الطفرة؛ لكن حين تضاعف دخل الفرد فوق 4 أضعاف في فترة وجيزة جداً، ارتبك المجتمع كله بعد أن كان السكان نفسهم هم أصحاب المهن.

صورة حديثة لحي قديم في أثينا – Pinterest

للأسف تغير هذا النمط بسبب طفرة النفط المالية التي تحولت إلى الجيوب مباشرةً، فقتلت المهن بدل أن تتطور وبدل أن تحوِّل الوفرة المالية إلى خدمات ذات جودة ومرافق حيوية منتجة وصناديق سيادية، صارت سيولة سهلة في أيدٍ أرادت الراحة التامة، وتحول المجتمع إلى الخمول وإلى امتصاص جرعات مخدرة من الانغلاق والكسل.

كبرت وتخصصت في التخطيط الحضري، وركزت في البعد الاقتصادي الاجتماعي للمدن، ومن خلال البحوث والاطلاع وجدت أن مدناً عديدة حول العالم نمَت اقتصادياً بشكل مذهل، ومع ذلك ما زالت تحتفظ بكل تلك الأجواء الاجتماعية القديمة التي كانت في حارتي بكل مكوناتها وأنماطها الأساسية مع اختلاف الشكل والأسلوب؛ فمثلاً العمدة neighborhood chief، ما زال موجوداً مع تطور وظيفة العمدة.

والمهن الأخرى توارثتها الأجيال؛ ولكن مع Wifi وسلع أو وصفات حديثة. رأيت ذلك في حارات لوزان وفيفي ومونترو في سويسرا، وديفون وآنسي في فرنسا، وفي كثير في حارات إسطنبول ومونتريال وروما وجنوة ونابولي.. وغيرها.

هل تذكرت الحارة؟

إذا لم تعِش في الحارة، فربما ينقصك الكثير من الذاكرة والأدوات الاجتماعية المهمة.

♦كاتب ومخطط حضري

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات