الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

أسماك القرس تشبهنا أكثر مما نعتقد

تبني "صداقات" طويلة الأمد وتبدد أسطورة "القرش الوحيد"

كيوبوست- ترجمات

ميلاني هايكن

ينظر كثيرون منا إلى أسماك القرش على أنها كائنات قوية وغامضة وانعزالية، تسبح برشاقة في أعماق البحار. ولا عجب في ذلك؛ فلطالما تم تصوير القرش في وسائل الإعلام على أنه مفترس منعزل يظهر فجأة ويهاجم فريسته.

ولكن هذه الصورة خضعت للكثير من المراجعة في السنوات القليلة الماضية؛ حيث اكتشف الباحثون في حياة أسماك القرش أن هذه الكائنات تتجمع بأعداد كبيرة وتتفاعل في ما بينها بطريقةٍ فيها كثير من علامات الصداقة.

قام فريق بحثي بقيادة عالم الأحياء المائية يانيس باباستاماتيو، من جامعة فلوريدا الدولية، باستخدام أجهزة إرسال صوتية لتسجيل تفاعل نحو 40 سمكة قرش رمادي على مدى أربع سنوات في بالميرا أتول جنوب غربي هاواي. وجاء في دراسة الفريق، التي نشرها في مجلة “بروسيدينغ أوف ذا رويال سوسايتي”، أن أسماك القرش الرمادية تعود إلى نفس المجموعة عاماً بعد عام، وتشكل في ما بينها تفضيلات واضحة في صحبة أفراد محددين؛ حيث استمر بعض الصداقات طيلة فترة الدراسة.

أسماك قرش النمر تظهر أنماطاً اجتماعية معقدة- “ناشيونال جيوغرافيك”

قال باباستاماتيو: “الآن أصبحنا نعلم أن أسماك القرش قادرة على بناء روابط اجتماعية في ما بينها تدوم لسنوات”. وتم تسليط الضوء على أبحاث فريقه في حلقة “عصابات القرش” التي عرضت على قناة “ناشيونال جيوغرافيك” ضمن برنامج “مهرجان القرش”. ويشير باباستاماتيو إلى أن صداقات القرش ربما تدوم لفترات أطول؛ ولكن البيانات التي تم جمعها تقتصر على مدة حياة بطاريات أجهزة الإرسال التي لا تتجاوز السنوات الأربع.

وقد خلصت أبحاث أخرى، نُشرت في مجلة “ساينتيفيك ريبورت”، إلى وجود شبكات اجتماعية معقدة لأسماك قرش النمر في الساحل الشرقي للولايات المتحدة؛ وهي علاقات كان يُعتقد في السابق أنها تقتصر على ثدييات متطورة، مثل الشمبانزي، وفقاً لما تقوله دانييل هولسي، التي قادت دراسة بهذا الشأن أثناء وجودها في جامعة ديلاور؛ فقد وجدت هولسي وفريقها، في الدراسة التي جرت عام 2016، أن أسماك القرش التي تم تزويدها بأجهزة تسجيل قد قامت بآلاف التفاعلات مع أقرانها؛ حيث أمضى بعضها بضعة أيام بصحبة بعضها الآخر. ووجدت الدراسة أيضاً أن بعض الأسماك قد شكلت صداقات لا لبس فيها. وقالت: “إن هذه لم تكن روابط عشوائية”.

تقول جاسمن غراهام، عالمة الأحياء المائية في مختبر “موت مارين” البحري، في ساراسوتا- فلوريدا: إن الأبحاث الوفيرة يجب أن تغير الصورة النمطية لأسماك القرش باعتبارها آلات روبوتية تقتل البشر. “على سبيل المثال، يظهر هذا البحث حول شخصيتها وحياتها الاجتماعية أنها تشبهنا أكثر بكثير مما نعتقد”.

اقرأ أيضًا: تعرف على أغرب مخلوقات العالم

أسماك تهيم في البحار

يشكل فهم الحياة الاجتماعية لأسماك القرش وسلوكها التعاوني تحدياً؛ ولكن هنالك بعض المؤشرات، مثل توفر الطعام والمياه الأكثر دفئاً بسبب التغيرات المناخية؛ فأسماك القرش الأبيض الكبير، خصوصاً صغارها، بدأت تظهر بأعدادٍ قياسية على طول شواطئ كاليفورنيا الجنوبية؛ حيث ازدادت أعدادها منذ أن فرضت الدولة حمايتها عام 1994.

باستخدام طائرات مسيرة وأجهزة بث مثبتة على الأسماك، قام كريس لوي، مدير مختبر أسماك القرش في لونغ بيتش- كاليفورنيا، بتتبع 53 سمكة قرش في شواطئ سان دييغو وسانتا باربرا عام 2020. وخلص لوي إلى أن أسماك القرش الأبيض الكبير عادة ما تميل إلى المحافظة على مسافة عشرة أمتار في ما بينها، ولا تبدو عليها الصداقة الحميمة، إلا أنها تجتمع مع بعضها بعضاً بسبب تفضيلها مناطق معينة. ويقول: “نعتقد أن الأمر يشبه ملعباً أو ساحة مدرسة؛ فبعضها يأكل وبعضها يتسكع في المكان وبعضها يحاول تجنب المتنمرين. ولذلك فإن السؤال هو: لماذا تأتي صغار القرش الأبيض الكبير إلى هذا الملعب، وما الذي يجذبها إليه؟”.

ويقدم لوي بعض النظريات؛ فأسماك الراي، وهي طعامها المفضل، تتوفر بكثرة في هذه المنطقة، والبقاء بالقرب من الشواطئ يوفر لها حماية من الأسماك المفترسة؛ مثل أسماك القرش الأكبر حجماً. ومع ارتفاع حرارة المحيط الهادئ بسبب تغيرات المناخ، فإن أسماك القرش الأبيض الكبير تتبع المياه الأكثر دفئاً باتجاه الشمال.

يعتبر سمك الراي الطعام المفضل لأسماك القرش الأبيض الكبير- “ناشيونال جيوغرافيك”

يرى مات سموكال، مدير مختبر بيميني لأسماك القرش، في جزر الباهاما، أنه من الصعب معرفة ما إذا كانت أسماك القرش تتعاون في الصيد. فبعض السلالات؛ مثل قرش الثور والقرش أسود الأنف، تجتمع بالعشرات عندما تحظى بقطيعٍ من الأسماك، وتبدو وكأنها تحاصر فرائسها.

يقول سموكل: “السؤال هو: هل هذا تعاون حقيقي؛ حيث تجتمع أسماك القرش لتعمل مع بعضها على تحسين ظروف الصيد؟ أم أن اجتماعها سببه وفرة الطعام التي اجتذبت الكثير للاحتفال؟”، ويضيف: “في كلتا الحالتَين الأمر لمصلحة القرش. فما هو جيد لقرشٍ واحد يكون جيداً للمجموعة كلها”.

اقرأ أيضًا: هل تعانق الحيوانات بعضها بعضاً؟

يرى باباستاماتيو في التيارات المائية سبباً آخر لتجمع أسماك القرش؛ ففي دراسةٍ نُشرت في يوليو 2021، وثق سلوكاً مفاجئاً عند أسماك القرش الرمادي في منطقة بولينيزيا الفرنسية؛ فقد لوحظ المئات من هذه الأسماك وهي تركب التيار، مما يمكنها من توفير طاقتها وحتى النوم. ويقول: “كنا نبحث عن تفسيرٍ لتجمع أسماك القرش في مكان معين، وهذا الأمر يعطي إجابة. يمكن أن تنطبق هذه النتائج على مناطق ساحلية أخرى، ربما تفسر سبب تفضيل أسماك القرش منطقة عن أخرى.

أنواع مختلفة من الشخصيات

في بعض الحالات لا تتوفر أسباب واضحة للصداقات بين أسماك القرش، وقد وجد سموكل وزملاؤه أن أسماك قرش الليمون الصغيرة كانت تسعى إلى رفقة أسماك القرش الأخرى دون سبب واضح. ويشير إلى أن هنالك أدلة متزايدة على أن أسماك قرش الليمون تتمتع بشخصياتها الخاصة التي تحدد ما إذا كانت ستمضي أوقاتها مع أسماكٍ أخرى أم لا. وقد أظهرت أسماك قرش الليمون، التي تمت مراقبتها في المياه المفتوحة في موطنها الطبيعي، مجموعة من الأمزجة الاجتماعية المختلفة؛ حيث تشارك بعض الأسماك الاجتماعية في تفاعلاتٍ متكررة في ما بينها، بينما تميل الأسماك الانعزالية إلى البقاء بمفردها.

أظهرت دراسات مطولة أن أسماك قرش الليمون تعود إلى موطنها لتتكاثر- “بي بي سي”

وكما هي الحال عند البشر، تلعب هذه الاختلافات في الشخصية دوراً في النجاح أو حتى البقاء على قيد الحياة. فعلى سبيل المثال، فإن أسماك قرش الليمون الصغيرة التي تعتبر أكثر فضولاً وميلاً للاستكشاف، أكثر تعرضاً للمخاطر؛ حيث تغامر بعيداً للحصول على الطعام، مما جعلها تنمو وتنضج بشكل أسرع وفقاً لدراسة سموكل. ولكن هذه المغامرات لها ثمنها؛ فأسماك القرش الأكبر والأسرع سجلت معدلات بقاء أقل، لأن ذلك يجعلها أكثر عرضة لمواجهة الأسماك المفترسة الأكبر حجماً.

أسرار كثيرة ما زالت تنتظر

كان من الممكن معرفة المزيد عن العلاقات الحميمة لأسماك القرش لو أنه تم إجراء المزيد من الدراسات؛ ولكن ذلك يواجه عقبات، منها نقص التمويل والسمعة السيئة لأسماك القرش. يقول لوي: “لم يمض على دراستنا لأسماك القرش أكثر من 20 عاماً”.

اقرأ أيضاً: لماذا تفضل قردة الشمبانزي المسنة الأصدقاء القدامى على تكوين علاقات جديدة؟

وقد زاد من تعقيد تلك المشكلة التراجع المستمر في أعداد أسماك القرش؛ بسبب الصيد الجائر. فقد عانت أسماك القرش، وأسماك الراي، انخفاضاً كبيراً وصل إلى 71% من تعدادها منذ عام 1970؛ حيث أصبحت أعداد أسماك القرش المرجانية في حالة يرثى لها.

ولكن غراهام تقول: “بفضل مبادرات مثل مبادرة (الأقليات في علوم القرش)، فإن علم أسماك القرش يتوسع ويتنوع بطرق لم تكن لتخطر على بال أحد”. وتضيف: “أعتقد أننا سنكتشف الكثير عن أسماك القرش خلال السنوات القادمة. ومن المثير أن نفكر في أننا سوف نفهمها بشكل أفضل من أي وقت مضى”.

المصدر: ناشيونال جيوغرافيك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات