الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أسطورة هنري كيسنجر

كيوبوست – ترجمات

توماس ميني

لأكثر من 60 عاماً، اقترن اسم هنري كيسنجر بالواقعية في السياسة الخارجية. ورغم مرور هذه السنوات؛ فإن كيسنجر وسيرته وحياته ما زالت مادة خصبة للعديد من الكتابات والمؤلفات، التي تنوعت بين تلك التي تهاجم سياسته وقتما كان مستشاراً للأمن القومي، ووزيراً للخارجية للرئيس ريتشارد نيكسون، ودفاعه بصراحة عن سعي الولايات المتحدة للهيمنة في عالمٍ فوضوي، ومن ذلك كتاب سيمور هيرش «ثمن القوة» عام 1993، الذي أرَّخ بالوثائق لما اعتبره أفعالاً مشينة من قِبل كيسنجر، مروراً بتصويره في كتاب كريستوفر هيتشنز «محاكمة هنري كيسنجر» عام 2001، باعتباره مصاباً بجنون العظمة، وأنه لا بد من مقاضاته باعتباره مجرم حرب.

كتاب جديد برؤية مختلفة

يبدو أن كيسنجر، الذي يقترب الآن من عامه الـ97، لم يعد يثير مثل هذه الكراهية على نطاقٍ واسع، وباتت التحليلات التي تتعامل معه أكثر هدوءاً. وفي الكتاب الجديد «حتمية المأساة: عالم هنري كيسنجر» لباري جوين، والصادر في 2020، ينتمي إلى المدرسة الكيسنجرية التي تتعاطى مع كيسنجر من زاوية “لا أقدسه ولا أسبّه”. كتب جوين: “لم يفكر أحد بعمق في الشؤون الدولية مثله”، ويضيف: “تفكير كيسنجر يتعارض مع ما يعتقده الأمريكيون أو يرغبون في تصديقه”. ويتتبع جوين في كتابه، وهو المحرر في صحيفة “نيويورك تايمز” والمسؤول عن صفحة مراجعات الكتب بالجريدة، قرارات كيسنجر الأكثر أهمية في السياسة الخارجية.

يستعرض الكتاب الكثير من مراحل حياة كيسنجر، وتأثيراتها المختلفة عليه، ومن المحطات المهمة تجنيده عام 1942 في الجيش الأمريكي، ومشاركته في المعارك، وفي تحرير معسكر اعتقال خارج هانوفر، وحصل على نجمة برونزية لدوره في تفكيك إحدى خلايا “الجوستابو” النائمة.

غلاف الكتاب

في عام 1947، التحق كيسنجر بجامعة هارفارد، وهناك التقى (مَن سيصبح بمنزلة مرشده) ويليام ياندل إليوت؛ أستاذ التاريخ ذا العلاقات الجيدة مع النخبة البرجوازية المتعلمة Wasp élite، والذي قدم المشورة لعدد من رؤساء الولايات المتحدة. لم ينجذب كيسنجر إلى دعاة السياسة الواقعية الكلاسيكيين؛ مثل كلاوزفيتز وبسمارك، بقدر ما انجذب إلى “فلاسفة التاريخ”؛ مثل كانط وعلماء تحليل ودراسة أسباب تفكك الحضارات وانحلالها، مثل أرنولد توينبي وأوزوالد شبنجلر.

ومن هؤلاء المفكرين، كوَّن كيسنجر رأيه الخاص حول كيفية حركة التاريخ: لم تكن قصة تقدم ليبرالي أو وعي طبقي أو دورات ولادة ثم نضج ثم اضمحلال… كانت سلسلة من الحوادث التي لا معنى لها والتي تشكلت بشكلٍ عابر من خلال الفعل البشري. وأدرك كيسنجر أن المنتصرين يفتشون في التاريخ بحثًا عن مقارنات ليَطلُوا بها انتصاراتهم ويجعلوها براقة، في حين يسعى المهزومون إلى البحث عن الأسباب التاريخية لسوء حظهم.

اقرأ أيضًا: فلسفة التاريخ عند هنري كسنجر

في أطروحة كيسنجر الجامعية «معنى التاريخ» جملة مهمة “لا يمكن التوفيق بين الحرية والضرورة إلا من خلال التجربة الذاتية”. قد يعتبر البعض هذه النظرة الذاتية إلى العالم مفاجئة في أفكار كيسنجر؛ لكن الثابت أن أفكار “الوجودية الفرنسية” قد وصلت إلى هارفارد، حيث استشهد كيسنجر في أطروحته بجان بول سارتر. من جانب آخر، كان كيسنجر ينتقد علماء الاجتماع ذوي العيون الساطعة من حوله، الذين اعتقدوا أن المواجهة المميتة للحرب الباردة يمكن حلها باستخدام نماذج تجريبية وسلوكية، بدلاً من التباهي الوجودي.

في عام 1954، لم تعرض جامعة هارفارد على كيسنجر العمل أستاذاً فيها؛ وهو المنصب الذي طمح إليه، لكن عميد الكلية ماك جورج بوندي، رشحه لمجلس العلاقات الخارجية، وهناك بدأ كيسنجر في إدارة فريق لدراسة الأسلحة النووية، في واشنطن في عهد أيزنهاور، يمكن أن تصنع فكرة جديدة عن الأسلحة النووية اسمك.

وبالفعل فبعدما نشر كيسنجر عام 1957 كتابه «الأسلحة النووية والسياسة الخارجية» أصبح اسماً له ثقل. فقد طرح فكرة أن إدارة أيزنهاور كانت بحاجة إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في الحروب التقليدية؛ فالاحتفاظ بالأسلحة النووية فقط دون استخدامها جعل الولايات المتحدة غير قادرة على الرد بشكل حاسم على التوغلات السوفييتية المتزايدة. والحقيقة أن كيسنجر أراد أن يقدم فكرة استفزازية، ولم يكن يعرف أن هيئة الأركان المشتركة لأيزنهاور كانت تطالب الرئيس بالأمر ذاته.

الر\يس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور

مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، لم يكن كيسنجر في حاجة للاختيار بين أن يكون أكاديمياً أو مثقفاً عاماً أو بيروقراطياً أو سياسياً؛ لقد تمكَّن من أن يقدم إسهاماً حقيقياً في كل مجالٍ من هذه المجالات. من ناحيةٍ أخرى، جادل كيسنجر بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى الدعاية والترويج لأيديولوجيتها بشكل أفضل، وقد فعل ذلك بحماسة. فقد ذكر في مقابلة مع مايك والاس، في عام 1958: “المجتمع الرأسمالي، أو لنستخدم التعبير الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إليَّ، المجتمع الحر؛ هو ظاهرة تتجاوز في ثوريتها اشتراكية القرن التاسع عشر”.

كيسنجر ومورجنثاو

كان المهاجر الأقرب إلى كيسنجر هو هانز مورجنثاو؛ الأب الروحي للواقعية الحديثة في السياسة الخارجية. وقد التقى الرجلان في جامعة هارفارد وحافظا على صداقة مهنية، وإن تضاءلت على مر العقود؛ لكن “لم يكن هناك مفكر عَنَى الكثير لكيسنجر أكثر من مورجنثاو”. مثل كيسنجر، اشتهر مورجنثاو بكتابٍ ذي شعبية كبيرة حول السياسة الخارجية؛ هو «السياسة بين الأمم»، والذي ألفه عام 1948. شارك كيسنجر في اعتقاده أن السياسة الخارجية لا يمكن تركها للتكنوقراط من خلال مخططات وإحصائيات، ولكن على عكس كيسنجر لم يكن مورجنثاو مستعداً للتضحية بمبادئه الواقعية من أجل التأثير السياسي. في منتصف الستينيات، أثناء عمله كمستشار لإدارة جونسون، انتقد حرب فيتنام علناً، والتي اعتقد أنها عرَّضت مكانة الولايات المتحدة إلى الخطر كقوة عظمى، وقام جونسون بإقالته.

اقرأ أيضًا: “معنى” كيسنجر… إعادة الاعتبار للواقعية

أصيب مورجنثاو بخيبة أمل عندما دافع كيسنجر علناً عن حرب فيتنام، على الرغم من اعترافه بشكل خاص بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الفوز. هذا الموقف دفع المنظر السياسي شيلدون وولين، الذي درس في هارفارد أيضاً إلى محاولة تحليل دوافع كيسنجر المهنية. لاحظ وولين اختلافات بين كيسنجر ونيكسون؛ لكن مع ذلك فإن الاقتران بينهما كان مثالياً، فنيكسون بحاجةٍ إلى شخص يمكنه من ترقية انتهازيته إلى مستوى أعلى، وأن يظهره بمَن يسعى إلى تحقيق هدف نبيل يشعره بأنه شخصية عظيمة في دراما التاريخ.

كتاب يدافع كثيراً عن كيسنجر

يدافع جوين في كتابه أحياناً عن سجل كيسنجر بقوة تفوق دفاع كيسنجر عن نفسه، ويجادل بأن الادعاءات حول الحاجة إلى الحفاظ على “المصداقية” أمر أساسي في تأمين نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة. ولكن، كما رأى مورجنثاو استندت حجة كيسنجر إلى سوء تقدير كارثي لقدرات الولايات المتحدة، كيف يمكن تعزيز مصداقيتها من خلال شن حرب ضد قوة من الدرجة الرابعة؟!

والواقع أن كل مبادرة أمريكية تالية أدت إلى تآكل المصداقية بدلاً من تعزيزها؛ فحتى قصف فيتنام الشمالية في عيد الميلاد عام 1972، وهو القصف الأكبر خلال الحرب، لم يقنع فيتنام بإعادة التفاوض، وكما صور الأمر جون نيغروبونتي بسخرية: “لقد قصفنا الفيتناميين الشماليين ليقبلوا تنازلاتنا”.

بالنظر إلى إصرار جوين على واقعية كيسنجر، فمن الغريب أنه لا يسهب أكثر في أكثر المحطات براغماتية في حياته المهنية؛ وهي السعي نحو تحقيق انفراجة مع الاتحاد السوفييتي، وفتح العلاقات مع الصين، وتطوير “الدبلوماسية المكوكية” من أجل احتواء حرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل.

هنري كسنجر

غالباً يبدو جوين منجذباً للدفاع عن كيسنجر في النقاط التي يكون فيها الدفاع عنه أصعب. فقد افتتح الكتاب بفصلٍ طويل عن تورط الولايات المتحدة في شيلي، والذي بلغ ذروته بانقلاب عام 1973. عندما انتخبت شيلي الاشتراكي سلفادور أليندي رئيساً، في عام 1970، قرر نيكسون وكيسنجر إبعاده. حقيقة أن أليندي تم انتخابه شعبياً جعله أكثر خطورة في نظرهما. قال كيسنجر: “لا أفهم لماذا يتعين علينا أن نقف مكتوفي الأيدي ونراقب دولة ما تتجه نحو الشيوعية بسبب عدم مسؤولية شعبها”. يعتقد جوين أن هذا الموقف يجسد المعضلة في علاقة كيسنجر بالديمقراطية والسلطة. فإذا كان أليندي يمثل تهديداً، فمن شبه المؤكد أنه لم تكن له علاقة بأي طموحات سوفييتية بقدر ما يتعلق بالقلق من حججه القوية الخاصة بتوزيع عالمي للموارد بما يتجاوز أي شيء كانت واشنطن مستعدة لتقبله.

وعلى عكس مورجنثاو الذي نظر إلى العالم النامي باعتباره عالماً منعزلاً لا يستحق اهتمام الولايات المتحدة، اعتبر كيسنجر اشتراكية العالم الثالث عدواً خطيراً قادراً على التأثير في المواجهة الحساسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. لقد افترض هو ونيكسون أنهما يمكنهما دعم انقلاب ضد أليندي بأقل قدر من لفت الانتباه والجلبة، تماماً كما قام أيزنهاور، قبل عقدين من الزمان، بتخليص غواتيمالا من رئيسها المنتخب ديمقراطياً، جاكوبو أربينز.

اقرأ أيضًا: مكيافيلي وكيسنجر.. والواقعية في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين

ومع ذلك، فإن مشهد تنحية أليندي كانت له نتيجة غير مقصودة مطلقاً، فقد أشعل هذا الأمر فتيل واحدة من أكثر الأمور والقضايا التي ظلت تتسبب في مضايقات لكيسنجر، وهي حركة حقوق الإنسان العالمية.

بعيداً عن المنصب

منذ مغادرته منصبه، نادراً ما طعن كيسنجر في أمور نالت إجماعاً. وعلى الرغم من أنه انتقد تدخل المحافظين الجدد، فإنه نادراً ما توجد مغامرة عسكرية أمريكية، من بنما إلى العراق، لم تلقَ موافقته. من جانبٍ آخر، فرغم أن العديد من المبادئ التي اشتهر بها كيسنجر لم تكن من ابتكاره بصورةٍ تامة؛ فإنه من الصعب العثور على مناقشات حولها لا تشير إليه تحديداً باعتبارها “مبادئ كيسنجر”. من جانب آخر، فقد تركت مبادئه تأثيراتها الواضحة على جميع مَن أتوا بعده. وعندما قال كارل روف جملته المشهورة “نحن نصنع واقعنا الخاص”، كان يردد صدى كلمات كيسنجر قبل أربعين عاماً.

في عام 2010، استخدمت إدارة أوباما سابقة توغلات نيكسون وكيسنجر في كمبوديا كجزءٍ من حجتها لإرساء الأساس القانوني لعمليات قتل الإرهابيين الأمريكيين المشتبه بهم بطائرات دون طيار، والذين كانوا خارج ساحة المعركة في أفغانستان. كذلك فإن اغتيال إدارة ترامب لقاسم سليماني يتوافق تماماً مع حديث كيسنجر عن مصداقية وصورة الولايات المتحدة.

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما – أرشيف

ينهي جوين كتابه بجملة لافتة: “يمكن للمؤرخين أن يتعلموا الكثير عن السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية بسهولة من خلال دراسة التقلبات في شهرة كيسنجر”. لكن الحقيقة أن كيسنجر قد برع في أن يتحول من استخدام “الواقعية” في السياسة الخارجية، وتحويلها من الأداء التقليدي إلى أن يكون رمزاً للبراعة الدبلوماسية.

وقد يبدو الأمر أحياناً كما لو كان هناك اتفاق لا واعٍ بين كيسنجر والعديد من منتقديه. فإذا أمكن تحميل كل أخطاء الدولة الأمريكية على رجلٍ واحد، فإن كل الأطراف ستحصل على مُرادها: مكانة تاريخية مميزة ومضمونة لكيسنجر، ويمكن لمنتقديه اعتبار سياسته الخارجية الاستثناء وليست القاعدة. وسيكون من المريح الاعتقاد بأن الليبراليين الأمريكيين قادرون على رؤية أن السياسة هي أكثر من مجرد مسألة أسلوبٍ شخصي بل مؤسسي. لكن التعامل دائماً مع كيسنجر باعتباره أسطورة، يشير إلى احتمالية أن نعتبر أن “كيسنجر هو نحن”.

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة