ترجماتتكنولوجياثقافة ومعرفةمجتمع

على عكس معظم الدراسات السابقة، التكنولوجيا ليست بهذه الخطورة!

لا تقلق لأن العصر الرقمي لا يدمر عقل ابنك

ترجمة كيو بوست –

بقلم: ريتشارد فريدمان، طبيب نفسي، أستاذ الطب النفسي السريري، مدير عيادة علم النفس في كلية ويل كورنيل الطبية، كاتب رأي معروف.

نسمع كثيرًا في هذه الأيام أن التكنولوجيا الرقمية الحديثة تغسل أدمغة المراهقين، مما يجعلهم متوترين وقلقين وغير قادرين على التركيز، لكن لا داعي للخوف، فالأمر ليس بهذه الخطورة.

على الرغم من التقارير التي تظهر خلاف ذلك، إلا أن هناك أدلة قليلة على وجود مرض اضطراب القلق لدى المراهقين، وهذا لسبب بسيط هو أن آخر دراسة استقصائية شاملة وممثلة للاضطرابات النفسية بين الشباب الأمريكي، قد أجريت منذ أكثر من عقد مضى؛ وذلك وفقًا لرئيسة قسم أبحاث علم الأوبئة الوراثية في المعهد الوطني للصحة العقلية لكاثلين ريس ميريكانغاس.

اقرأ أيضًا: هل تعاني من الخجل والقلق الاجتماعي؟ 9 خطوات تمكنك من التخلص منه

هناك عدد قليل من الاستطلاعات التي تشير إلى زيادة حالات القلق لدى المراهقين، إلا أنها تستند إلى مقاييس تمت ملاحظتها بشكل ذاتي من الأطفال أنفسهم أو أهاليهم، وغالبًا تميل إلى المبالغة في تقدير معدلات الاضطرابات؛ لأنها تكشف عن أعراض خفيفة، وليس متلازمات تستدعي تدخلًا سريريًا.

إذًا، ما الذي يقف وراء أسطورة أن المراهقين في حالة قلق وتوتر متزايدَيْن؟

أحد الاحتمالات هو أن هذه القصص هي المصدر الرئيس لموجة اضطرابات القلق، التي لم يتم اكتشافها بعد من خلال الدراسات الاستقصائية التي أجريت حول هذا المرض، أو ربما فعلًا ارتفعت معدلات القلق، لكن فقط في تجمعات سكانية محددة تم تسليط ضوء إعلامي بارز عليها، إلا أنه من الأرجح أن يكون هذا الوباء مجرد خرافة، لكن السؤال الأكثر إثارة هنا هو لماذا تم قبوله على نطاق واسع كحقيقة؟ لعل أحد الأسباب هو أن الآباء قد تبنوا فكرة أن التكنولوجيا الرقمية، أي الهواتف الذكية وألعاب الفيديو وما شابه، هي سُمّ عصبي ونفسي.

تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين زيادة الوقت المستغرق على وسائل التواصل والشاشات الإلكترونية وبين انخفاض مستويات السلامة النفسية. المشكلة هي أن ارتباط هذين الأمرين ببعضهما منطقي، وعليه فإنه من المحتمل جدًا أن المراهقين الأكثر قلقًا هم أكثر ميولًا لتمضية وقت أكثر على الهواتف الذكية؛ للتخلص من انفعالاتهم السلبية مع أصدقاء قد يعاملونهم بشكل أفضل ممن في واقعهم.

أما المجموعة الأخرى من الدراسات فتستخدم تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي؛ لفحص أدمغة الشباب المدمنين على ألعاب الفيديو المتاحة على شبكة الإنترنت، ومن خلالها يستطيعون تحديد اختلافات هيكلية وظيفية فيما بينهم. على سبيل المثال، ذكرت إحدى الدراسات أن مجموعة من 17 مراهقًا ممن يعانون من إدمان ألعاب الإنترنت حصلت لديهم تغيرات في البنية الدقيقة في مناطق مختلفة من الدماغ مقارنة بمجموعة التحكم والسيطرة، ولكن مرة أخرى، لم تستطع هذه الدراسات والتقنيات أن تخبرنا ما إذا كانت تشوهات الدماغ ناتجة عن الاستخدام المفرط للإنترنت فعلًا، أو بسبب عامل خطير موجود مسبقًا.

اقرأ أيضًا: الجانب المظلم للإبداع: قلق واكتئاب ثم انتحار!

تساؤل آخر: ماذا عن الادعاء بأن الهواتف الذكية يمكن أن تكون سببًا فعليًا وراء الإدمان؟ يبدو أن هذا اعتمد فقط على عدد قليل جدًا من الدراسات التي بينت أن الأطفال المدمنين على ألعاب الإنترنت قد تعزز نشاط المخ لديهم بعد عرض صور الألعاب أمامهم.

السؤال الحقيقي هو ما إذا كان باستطاعة التكنولوجيا الرقمية أن تنتج تغيرات دائمة في الدماغ، التي تسببها المخدرات المؤدية للإدمان. هناك القليل من الأدلة على أن هذه القضية منطقية؛ فعلى الرغم من أن حرمان مدمن من مشروباته الكحولية يمكن أن يهدد حياته، إلا أنني لم أشاهد يومًا مراهقًا انتهى به الأمر في غرفة الطوارئ جراء سحب هاتفه منه! لم أرَ سوى مراهق متجهم يتذمر ليعود جهازه إليه.

بتدقيق النظر فيما سبق، يكون السؤال “لماذا ما يزال الكثير من الآباء يصرون على أن المراهق لديه مشكلة مع القلق”؟

هناك فرق بين مرض اضطراب القلق والقلق اليومي. أول ما يعيق قدرة الناس على العمل هو معاناتهم من القلق المفرط حتى عندما يكون هناك القليل أو حتى لا شيء مما يدعو للقلق، والثاني هو استجابة طبيعية وعقلانية تمامًا للضغط الحقيقي، أما المراهقون بل وأي فئة عمرية، فليس من المفترض أن يكون القلق شعورًا ملازمًا لهم.

قد يجادل البعض بأن الشباب اليوم هم أكثر قلقًا؛ لأنهم مدركون أن العالم اليوم في حالة أكثر خطورة، ولكن ماذا مع المنافسة الشديدة على الدراسة ومحاربة الآثار المترتبة على الركود الكبير، وعوامل أخرى؟ بالتأكيد هذا القلق يدل على وجود استجابة لتحديات الحياة وليس وجود اضطراب بعينه. بالطبع فإن هذا أمر غير واقعي، وللتأكيد أكثر، لم أشهد أنا كطبيبة نفسية زيادة في عدد المرضى الذين يعانون من مرض اضطراب القلق الفعلي، الذين يحتاجون إلى العلاج، وغالبًا إلى دواء لإبقاء حالتهم تحت السيطرة. ما لاحظته هو أن المزيد من مرضاي الصغار يقلقون كثيرًا من الأشياء التي لا تبدو خطيرة جدًا، ثم يقلقون على قلقهم.

على سبيل المثال، عانى عدد قليل من المرضى في أوائل العشرينيات من عمرهم من إجهاد كبير في العمل، وكانوا يصابون بالقلق في ليالٍ يكون فيها نومهم سيئًا. لم يكن أي منهم مصابًا فعلًا بالاكتئاب الذي يستدعي تدخلًا سريريًا، إلا أنهم كانوا مقتنعين بأن الأرق الذي يعانون منه قد يعرقل عملهم بشكل خطير أو يجعلهم مرضى جسديًا. تفاجأ الجميع واطمأنوا بسهولة عندما أظهرت لهم أنه فعلًا لا يوجد شيء يدعو للقلق. كان ذلك عندما تلقيت مكالمة هاتفية لأول مرة منذ بضع سنوات من أم مريض في سن المراهقة، أعربت حينها عن قلقها من أن ابنها كان غير سعيد بعد انفصاله عن شريكته، وطلبت مني الاتصال به “للاطمئنان عليه”. وبما أنه لم يكن هناك ما هو أكثر من قلق وهمي بشأن عدم رضاه -وهو رد طبيعي تمامًا على خيبة الأمل الرومانسية التي تعرض لها- أخبرته أنه يمكنه دائمًا الاتصال بي إذا كان بحاجة إلى ذلك.

من الجيد أن نضع في اعتبارنا أن ظهور التكنولوجيا الجديدة عادة ما يثير الذعر الطبي والأخلاقي. تذكر كل تلك التحذيرات التي من شأنها أن ينتج عنها تعفن الدماغ الذي لم يحدث أبدًا، لذا فإن الفكرة القائلة بأنه يمكن غسل الدماغ بسهولة بواسطة التكنولوجيا الرقمية، هي حتى الآن مادة خيال علمي.

ولتكن أكثر وعيًا ولا تفترض أن هناك خطبًا ما في ابنك في كل مرة يشعر فيها بالقلق أو الانزعاج، فالمراهقون وأدمغتهم يواجهون في هذه المرحلة تحديات الحياة العصرية!

المصدر: نيويورك تايمز

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة