الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

أسطورة سكارفيس ومستقبل حماية الحياة البرية

كان من المتوقع وفاة الأسد الأسطورة قبل هذه اللحظة بوقتٍ طويل.. إلا أن سكارفيس هزم كل التوقعات بتغلبه على الصعاب التي واجهها

كيوبوست- ترجمات

جوناثان وأنجيلا سكوت♦

في الواحدة من ظهر الحادي عشر من يونيو، توفي الأسد سكارفيس؛ بسبب الشيخوخة والجوع، ووارى جثمانه الثرى. رحل في سلام دون إزعاج من ضباع أو سيارات. وعقَّب سايتوتي سيلانتوي، الباحث المساعد في برنامج حماية مفترسات مارا، قائلاً: “كنا السيارة الوحيدة التي حضرت المشهد، آملين أن نعطيه أي قدر من الراحة في لحظاته الأخيرة”.

اقرأ أيضاً: إصلاح النظم الإيكولوجية.. حل لأخطر التغيرات البيئية

كان من المتوقع وفاة الأسد الأسطورة قبل هذه اللحظة بوقت طويل؛ إلا أن سكارفيس هزم كل التوقعات بتغلبه على الصعاب التي واجهها، معتمداً على قدرته على المكوث بالقرب من اللبؤات والأشبال في أي من القطعان المتحالف معها في ذلك الوقت؛ حيث يلتقي أحياناً أقاربه الذكور الثلاثة: موراني وسيكيو وهنتر، التي اشتهرت مع سكارفيس باسم الفرسان الأربعة. وقد شوهد منها موراني داخل المحمية في منطقة أشنيل؛ حيث مات سكارفيس.

وفي يوليو 2015 ثارت موجة واسعة من الغضب إثر القتل غير القانوني للأسد سيسيل من قِبل طبيب الأسنان والتر بالم، في منطقة مينيابوليس، والذي زُعم أنه دفع 50 ألف دولار للحصول على فرصة لقتل الأسد البالغ من العمر 12 عاماً في رحلة صيد بالقوس في زيمبابوي. وأعقبت تلك الموجة حملة تبرعات مالية ضخمة لتدعيم برامج حماية الأسود.

أحد الأشبال يشرب مع اللبؤات في المرعى- “أنيمال بلانيت”

وكان سيسيل أسداً مشهوراً يقيم في متنزه هوانج الوطني، ويبدو أنه تم استدراجه من الحديقة باستخدام طُعم قبل أن يُقتل من مخبأ. وفي أعقاب ذلك أتى القرار الأخير الذي اتخذته حكومة جنوب إفريقيا بحظر تكاثر الأسود في الأُسر بغرض الصيد، أو أغراض السياحة؛ الأمر الذي لاقى الكثير من الاستحسان. 

اقرأ أيضاً: السياحة البيئية.. أن تنتمي إلى المكان وتعنى بسلامة البيئة

ولا شك أن روح المحارب التي نعجب بها كثيراً في الأسود تم صقلها على مدى آلاف السنين عبر إبداع الطبيعة؛ حيث تجعلنا قوة وصلابة هذه المخلوقات الرائعة نقف في رهبة صامتة، نخلد ذكراها ونشعر بالإلهام من إصرارها وتصميمها على عيش كل لحظة كما لو كانت آخر لحظة لها.

ليس لديها خوف أو محاباة

إننا نقدر الأسود لكونها أنفسها ونكرمها في الحياة والموت، عندما نقوم بزيارتها في بيئتها بشكل لائق؛ حيث يصل أقل من 10% من ذكور الأسود إلى سن الشيخوخة، ويعاني الكثير منها إصابات مروعة على مدار حياتها، ومع ذلك تظل على قيد الحياة بطريقة ما؛ فالطبيعة لها قواعدها الخاصة. فدعونا نحترم ونقتدي بمن ليس لديهم خوف أو محاباة.

أنجيلا سكوت تصور الفهود ضمن فيلم يوميات القطط الكبيرة- موقع محمية كينيا

وتساعد شخصيات؛ مثل سيسيل وسكارفيس، في تذكيرنا بمحنة الأسود التي فقدت 90% من تعدادها التاريخي؛ الأمر الذي يوضح أهمية أماكن مثل النظام البيئي العظيم “مارا سيرينجيتي” في شرق إفريقيا، والذي تصل مساحته إلى 25 ألف كيلومتر مربع ويضم 3000 أسد. ومع وجود 20 ألف أسد فقط تتجول في البرية، يجب علينا بذل كل ما في وسعنا لضمان بقائها على قيد الحياة.

اقرأ أيضاً: حرائق غابات الأمازون.. الطبيعة في مواجهة الاقتصاد

حيث يتعلق إنقاذ آخر الأسود الباقية بحماية الحياة البرية ككل؛ وهو الأمر الذي يمثل أعظم هدية يمكن أن نقدمها إلى الأسطورة سكارفيس. وتاريخياً كنا نتابع عن كثب الحياة الصاخبة لقطيع مارش الأسود منذ عام 1977 عبر شرفة الكوخ الحجري الخاص بنا في معسكر الحاكم؛ حيث يمكننا رصد ومراقبة منطقة قطيع المارش التي تترامى أطرافها من موسيرا مارش في الحافة الشمالية للمحمية وعلى طول الطريق جنوباً إلى رهينيو ريدج بمسافة تصل إلى 7 كم.

فبالعودة إلى السبعينيات، نجد أن القطيع كان يتألف من 3 ذكور و4 إناث وعدد من الأشبال، بالإضافة إلى مجموعة تابعة مكونة من 4 قريبات أصغر سناً تحاول الالتحاق بعائلةٍ جديدة خاصة بهن.

وقد اشتهر أحفادها لاحقاً عبر حلقات برنامج يوميات القط الكبير على شبكة “بي بي سي”؛ حيث يعيش قطيع مارش داخل وحول حدود محمية مارا، ويسيطر على مساحة تبلغ نحو 40 كيلومتراً مربعاً.

اللبؤات في قطيع المارش- تصوير جوناثان وأنجيلا سكوت

 وتتسع تلك الرقعة وتتقلص حسب التوافر الموسمي للفرائس وحسب شدة المنافسة من القطعان المجاورة؛ إذ تمتلك إناث القطيع الأرض، ويتم تناقلها من جهة الأم والجدات والأمهات والبنات والعمات وبنات العم. ويكون لكل قطيع منطقة مركزية حيث تلد الإناث، اللاتي يقاتلن بشراسة للدفاع عنها.

بالنسبة إلى قطيع مارش، كان مكانه هو موسيرا مارش في موسم الجفاف وبيلا شاكا -المجرى المائي المتقطع الذي تصطف على جانبيه الأشجار- خلال باقي المواسم.

اقرأ أيضاً: ديفيد أتينبارا لـ”60 دقيقة”: طريقة العيش على الأرض تدفعنا لكوارث

وفي عام 2011 غزا سكارفيس، مع ثلاثة أسودٍ شبان أخرى، أرض قطيع مارش. كانت من الأسود الرُّحل، مليئة بالجرأة والشراسة وتنضح بالتيستوستيرون. وكان من المستحيل تقريباً التمييز بينها باستثناء سكارفيس، الذي يمكن أن تميزه على الفور بسبب جرحه المشوه. كانت في سن الرابعة، هيئتها مزرية، وأعرافها شقراء تميل إلى البني وتتحول إلى لون أغمق وتكبر مع الوقت. أطلقنا عليها اسم الفرسان الأربعة، سكارفيس وموراني وسيكيو وهنتر.

وكان سكارفيس الأكثر عراكاً وتشاجراً بين رفاقه، ربما بسبب عينه اليمنى العمياء، والذي كان غالباً ما يعاني إصابات في جانب وجهه الأيمن بسببها. ومع ذلك كان أسداً حنوناً؛ حيث سمح للعديد من الأشبال التي ولدها هو والفرسان باللعب معه، ودفن وجوهها في عرفه بينما كان يراقب اللبؤات.

سكارفيس متجهاً إلى بيلا شاكا مع لبؤات قطيع المارش 2013- جوناثان وأنجيلا سكوت

كنا نعلم أنها مسألة وقت فقط قبل أن تقصيه الذكور الأصغر سناً. لكن متى؟ لم نستطع التحديد بدقة.
فمع ازدياد كثافة الحشائش الطويلة للمحمية، وتفشي جائحة كورونا، ومن ثم إجبار المعسكرات والنزل على الإغلاق، لم تكن هناك أية عمليات رصد أو مشاهدات لسلوك القطيع.

التغييرات في سلوك الأسد

وخلال فترة حكمها في مارا، سيطر سكارفيس والفرسان على كل من مارش وبارادايس وسيرينا وريكيرو برايدز، وأخيراً، قطيع كيجو رونجاي. بينما تقضي الأسود الآن نحو 70% من وقتها في منطقتَي ريكيرو وبارادايس، وتواصل مراقبة لبؤات قطيع كيجو رونجاي.

اقرأ أيضاً: ارتفاع معدل اقتناء الحيوانات الأليفة حول العالم.. ما السر؟

ولم تنجُ المجموعات الكبيرة من الذكور -مثل الفرسان الأربعة، نوتش وأولاده، ومؤخراً المحاربين الستة- التي استولت على منطقة قطيع مارش في عام 2017، بسبب القوة الناجمة عن عددها؛ بل على العكس فإن سيطرتها الواضحة تمثل علامة على أن هناك شيئاً ما خاطئاً في تعداد الأسود القاطنة بمارا.

الفرسان الثلاثة تتنافس على أنثى- جوناثان وأنجيلا سكوت

فقد اكتشف العلماء في برنامج حماية مفترسات مارا أن بعض الأسود الذكور الشباب يتم قتلها على يد الأسود المسيطرة، التي تستطيع الحفاظ على مراكزها لمدة أطول بعد إقصاء منافسيها من الحلبة. لكن أحياناً ينتهي بها الأمر بالتزاوج مع ذريتها الإناث؛ مما يؤدي إلى آثار سلبية على الصحة الوراثية.

وقد تثمر التحالفات الكبيرة بين القطعان عن إنجاب العديد من الأشبال؛ لكن غالباً ما تفشل الأسود الذكور في توفير وقت كافٍ لحماية نسلها بالتعاون مع الإناث ضد اعتداءات الذكور الأخرى. وبدلاً من ذلك، تتنقل بين القطعان وتستمر في التزاوج والانتقال مرة تلو الأخرى.

اقرأ أيضاً: عضة تقتل 60 ألف إنسان سنوياً.. حقائق عن أقدم أمراض العالم

وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، رصدنا ذكور القطيع في حالة يقظة ومراقبة دائمة للأشبال الصغيرة في المنطقة المجاورة، كما ظلت بالقرب من الإناث تقوم بدوريات في أراضيها؛ حيث كان التهديد الذي يشكله المتسللون موجوداً بشكلٍ ملحوظ، وكنا نواجه بانتظام مجموعات من الأسود الرُّحل يصل عددها في بعض الأحيان إلى 9 أسود؛ خصوصاً عندما ترتحل الحيوانات البرية من سيرينجيتي.

سكارفيس يلعب مع الأشبال عام 2013.. وقبل وقت قصير من إطلاق النار عليه- جوناثان وأنجيلا سكوت

وفي الواقع، يحدث التغيير على قدمٍ وساق في مارا، ليس فقط بسبب التغييرات الاجتماعية لقطيع الأسود؛ بل لأسبابٍ عدة، فمن الناحية المادية تغيرت منطقة قطيع مارش بشكلٍ كبير، بسبب تغير المناخ وكثافة الماشية وانتشار الحرائق والمركبات والأفيال. فعلى الرغم من الصيد الجائر؛ فإن هناك ما يقرب من 3 آلاف فيل في نظام مارا البيئي.

اقرأ أيضاً: حتى 2030 فقط: الكوكب أمام فرصة أخيرة للنجاة من كوارث التغير المناخي

وبينما تقلصت أعداد قطعان الأسود، استمر عدد الزوار في الارتفاع قبل جائحة كورونا التي عطلت السفر الدولي، وأوقفت السياحة التي هي الدعامة الأساسية للاقتصاد الكيني، والمساعد الرئيس في تمويل برامج الحماية لمناطق مثل مارا. وتتمثل المشكلة في الازدياد الرهيب في عدد المخيمات والنزل والتي يتبعها تزاحم ما يقرب من 100 مركبة عند معابر النهر؛ الأمر الذي يعوق المرور الآمن للحيوانات البرية والحمير الوحشية، بينما يحتشد العشرات لمشاهدة الحيوانات المفترسة.

مستقبل الأسود في ماساي مارا

ومع ذلك، فإن التغيير الأكثر إثارة للقلق الذي رصدناه في مارا هو التعدي غير القانوني لعشرات الآلاف من الماشية على المحمية ليلاً، وأحيانًا خلال النهار؛ حيث نفقد الكثير من الأسود كل عام بسبب عمليات القتل الانتقامية من قبل رعاة الماساي، الذين ساروا على هذه الأراضي لأجيالٍ في وئام نسبي مع الحياة البرية؛ لكنهم يعتقدون أن أراضي مارا ملكية تاريخية لهم.

نموذج للرعي غير القانوني داخل المحمية والذي تحاول الإدارة معالجته- جوناثان وأنجيلا سكوت

وتعمل منظمات مثل برنامج الحفاظ على مفترسات مارا التابع لصندوق كينيا للحياة البرية، بالتعاون مع العديد من المنظمات الأخرى، لتشجيع تركيب حاويات مقاومة للحيوانات المفترسة، وأضواء شمسية مناسبة للإضاءة الليلية؛ لإبقاء هذه المفترسات الجائعة في محيطها سالمة. كما تم إطلاق حملة على المستويين المحلي والوطني لجعل مارا موقعاً للتراث العالمي من قِبل اليونسكو؛ وهي العملية التي ستكتمل بحلول عام 2022.

اقرأ أيضاً: العالم على الطريق لتغيرات كبرى

والنتائج المرجوة منها بشكل عام هي إيجاد خطة إدارة متماسكة للمحمية بأكملها، مع وقف بناء المخيمات والنزل وتشديد الرقابة على المركبات السياحية. ولطالما كان هذا هو الهدف الأساسي في مثلث مارا، تحت إدارة البرنامج. كما تم الإعلان للتو عن توقيع اتفاقية تعاون لتطوير المحمية. وقد بدأ العمل في البنية التحتية والطرق بالفعل، مع شراء خمس سيارات دورية، وتوفير أجهزة لاسلكية إلى جانب التعاون في مجال الأمن.

وقد خلقت جائحة كورونا واقعاً جديداً نأمل أن يسلط فيه الضوء على الحياة البرية ويجعل حمايتها أولوية لكل البلدان. وتمثل مارا درة تاج صناعة السياحة في كينيا. وإذا تمت رعايتها بشكل صحيح، فستزدهر بشكل كبير؛ الأمر الذي يجعلنا نفكر لماذا لا ينبغي أن يتردد زئير تلك المخلوقات الشهيرة، مثل سكارفيس، في أراضي مارا العشبية الرائعة لعقود قادمة؟

♦مصوران وكاتبان، قضيا حياتيهما في توثيق الحياة البرية في ماساي مارا.

المصدر: مجلة ديسكوفر وايلد لايف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات