شؤون دوليةشؤون عربيةمقالات

أسبوعان من حرب تركيّة ساخنة على عفرين السورية: الاجتياح يواجه مقاومة كبيرة

الأكراد يواجهون العدوان بالمقاومة

 كيو بوست – شكري دهدو من عفرين

المرأة الأربعينية سوسن جميل سليمان لقت حتفها، إثر سقوط قذيفة مدفعية على منزلها وسط قرية تل سلور – جنديرس، ليلة الثلاثاء 23/1/2018، وأصيب طفلها اليتيم الوحيد بجروح بليغة، إذ لم تتوقع سوسن أن الحملة التركية ستطال المدنيين خلال فترة وجيزة من بدئها.

بدأت حملة (غصن الزيتون) التركية -باسمها المستفزّ والمناقض تمامًا لهدفها- على منطقة عفرين شمال غربي سوريا، بمشاركة آلاف من عناصر المعارضة السورية المدعومة من أنقرة كـ”درع الفرات” وفصائل متطرفة أخرى، عصر يوم السبت 20 كانون الثاني 2018، بقصف مكثف من 72 طائرة حربية على أكثر من مئة هدف، فكانت الأضرار مادية في الآليات والمباني والتحصينات، وضحايا قلائل من المدنيين والعسكريين في اليوم الأول.

على مدار أسبوعين جرت اشتباكات ساخنة في معارك كرّ وفرّ على مساحةٍ لا يتجاوز عرضها 3 كم، وبشكل متفاوت من محاور عدة، بمحاذاة الشريط الحدودي من قرية دير بلوط – غرب عفرين إلى قرية قسطل جندو شرقًا، إضافةً إلى الحدود الإدارية الجنوبية مع مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام ومنطقة إعزاز، أي ما يقارب 200 كم. وحسب مصادر خاصة، وحدات حماية الشعب (الكردية) عبر دفاعاتها المحصنة تصدت للقوات المهاجمة، فأوقعت في صفوفها عشرات القتلى، ودمرت بعض آلياتها، وأسرت مئات من عناصرها، إلا أن المسؤولين الأتراك ذكروا أعدادًا قليلة من خسائرها. في المقابل تجاوز عدد الضحايا في صفوف المدنيين ومقاتلي عفرين 120 شخصًا، أكثر من نصفهم مدنيون، بينهم نساء وأطفال، وكذلك أكثر من 170 جريحًا.

الاجتياح البري يستعصي، فلم تتمكن القوات التركية من احتلال مراكز إستراتيجية، ولم تبن قواعد انطلاق نحو داخل عفرين، وهي تتلقى مقاومة وصعوبات، إذ أن وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPG وبدعم من قوات سوريا الديمقراطية، تعتمد على العنصر الفعال والسلاح النوعي والتحصينات، مستفيدةً من الطبيعة الجبلية، وقد شوهد تطوع مئات الشبان والرجال للدفاع عن منطقتهم.

لجأت تركيا منذ اليوم الرابع من الحملة إلى القصف بالطائرات والأسلحة الثقيلة على الأهداف والأماكن الآهلة بالسكان (معظم القرى الحدودية تكبدت خسائر مادية كبيرة نتيجة القصف المدفعي الغزير)، في محاولةٍ لترويع الأهالي ودفعهم إلى النزوح، وبالتالي إضعاف الحاضنة الشعبية للوحـدات (الكردية).

 

الوضع الأهلي والإنساني

يتسم المجتمع في منطقة عفرين عمومًا بالمدنية والانفتاح، ولديه روح وطنية سورية وقومية كردية، وهناك حالة من الألفة والانسجام. ولما توفر فيها من أمان واستقرار نسبيين، احتضنت عشرات آلاف النازحين، كما قامت الإدارة الذاتية القائمة وأحزاب كردية بتنظيم المجتمع، ما أمكن تأسيس لجان ومجالس محلية ومؤسسات خدمية خلال أعوام الأزمة، الأمر الذي جعلها مهيأة لمواجهة ظروف الحرب. ووقف معظم أهالي عفرين إلى جانب وحـدات الحماية، وأعلنوا البقاء في منطقتهم التي لم تشهد حركة نزوح جماعية، سوى من تلك القرى الحدودية التي نزحت منها النساء والأطفال بشكل خاص نحو القرى والبلدات الداخلية، أو إلى مركز مدينة عفرين. ومعظم الأهالي يتحصنون في الملاجئ والأقبية والكهوف، كما أنهم في حالة تواصل دائم مع أبنائهم في الخارج رغم سوء شبكات الإنترنت والاتصالات.

العضو المنتخب في مجلس مقاطعة عفرين، المقيم في بلدة بعدينا محمد جعفر تحدث قائلًا: “ليلة الخميس 25/1/2018، وقعت قذائف صاروخية حول بلدتنا، وتناثرت الشظايا على المنازل، فلم تصب أحدًا، كما وقعت قذائف على قريتي دمليا وقوبية، وفي الأيام التالية سقطت قذائف أخرى. بالتعاون مع الحماية الذاتية نقوم بحفظ الأمن في بلدتنا، ونساعد الأهالي في تأمين مقومات الحياة ومواجهة تحديات الحرب علينا، معنوياتنا عالية ولن نتخلَ عن أرضنا”.

أما عبد الرحمن خليل برمجه المقيم في بلدة كفر صفرة فقد أفاد: “ليلة الثلاثاء 23/1/2018 سقطت على بلدتنا وحولها أكثر من 100 قذيفة، وتضرر 13 منزلًا، منها 4 تدمرت بشكل شبه تام، ولم تكن هناك إصابات بشرية، لأننا نُقيم في المغارات والأقبية، ونعيش من مدخراتنا الغذائية، ولا يوجد كهرباء بسبب تضرر الشبكة من القصف، واتصالات الإنترنت –معظم مصادرها من تركيا– مقطوعة، لكننا صامدون وقلائل هم من نزحوا”.

مصطفى كدلو المقيم في مركز ناحية جنديرس، قال: “هناك قصف عشوائي على مدينتنا منذ عصر الثلاثاء 23/1/2018، وقد استشهد 4 مدنيين وسقط أكثر من عشرة جرحى، رغم عدم وجود مقرات عسكرية داخلها. أغلب القذائف تسقط وسط المباني السكنية، حيث هناك أضرار مادية كبيرة في الآليات والمباني والممتلكات ومولدات الطاقة، وكذلك هناك قصف على قرى تل سلور وجلمة. نقيم في الملاجئ ونأكل من مواد غذائية متوفرة لدينا ومن التي توزعها الإدارة. تتزايد نسبة النزوح بسبب القصف العشوائي، وهناك قوى حماية ذاتية وغرفة طوارئ، حيث يتم تأمين المستلزمات الضرورية. بالنسبة لنا المسألة هي قضية وجود أو لاوجود، ومعنوياتنا عالية”.

حميد سارو المقيم في مدينة راجو، أفاد: “أعمل في نقطة طبية، منذ ليلة الأربعاء 24/1/2018 بدأت الحملة التركية بقصف مدينتا، فاستشهد طفل وامرأة ورجل، وجرح آخرون بإصابات مختلفة، وتضررت منازل ومدرسة، تقريبًا أُفرغت المدينة من الأهالي، بسبب القصف اليومي من الطيران والأسلحة الثقيلة. نتمسك بأرضنا وندافع عنها ببطولة”.

أبو جعفر قال: “نزحنا من قريتنا الحدودية عمرا، بسبب اشتداد المعارك وسقوط القذائف حولها، والآن نقطن في مدينة عفرين، تركنا بيوتنا وأرزاقنا، نطالب بوقف العدوان التركي لكي نعود إلى قريتنا”.

التاجر في مجال المواد الغذائية والمنظفات المقيم في مدينة عفرين محمد يوسف، أكد أن جميع المواد الغذائية متوفرة ولم ترتفع أسعارها، منوهًا إلى أنه إذا استمرت الحرب لمدة طويلة ولم تفتح منافذ المنطقة ربما ينفذ الغذاء، إذ كانت نسبة من المواد تورد عن طريق سرمدا – إدلب وأخرى عن طريق إعزاز، وهي مغلقة حاليًا. وأضاف يوسف: “هناك روح وطنية في عفرين، إذ لم يتم استغلال الأوضاع من أجل جني الأرباح، ويتم بيع كميات المواد حسب الحاجة، ربما يُفقد حليب الأطفال بعد مدة قصيرة، لأنه لم يكن بالإمكان تخزين كميات كبيرة منه، والإدارة الذاتية تضبط الأوضاع. نناشد المنظمات العالمية الاهتمام بالجانب الإنساني في منطقة عفرين”.

أبو محمد المهندس المقيم في بلدة معبطلي أفاد: “سقطت ليلة الجمعة 26/1/2018 قذائف عدة على منازل بلدتنا، فأصابت إحداها منزل عائلة نازحة من قرية تلقراح – إدلب، وهي تسكن هنا منذ 4 سنوات، وأدت إلى مقتل 7 أفراد منها، بينما نجا من العملية الأب وابنة واحدة”.

الطبيب خليل صبري أحمد مدير مشفى آفرين الجراحي المدني التابع للإدارة الذاتية، الذي يقدم خدماته مجانًا للضحايا والجرحى، قال: “إمكانات مشفى آفرين جيدة، إذ اتخذنا استعداداتنا واحتياطاتنا لهذه الحرب المتوقعة، وهناك نقاط طبية تابعة لنا في النواحي والمراكز الحدودية، تقدم الإسعافات والإجراءات الضرورية للجرحى. إذا بقيت المعارك بهذه الشدة يمكن أن تنقص بعض المواد أو تُفقد. إجمالًا وبشكل عام مشفى آفرين جاهز لاستقبال الجرحى المدنيين والشهداء، أما إمكانات باقي المشافي الخاصة ضعيفة وغير مؤهلة بشكل جيد لقبول الجرحى”.

وحول استهداف المدنيين أضاف: “إصابات المدنيين كثيرة، لأن القصف يطال القرى والبلدات، وهي إصابات بحاجة لعمليات جراحية ومتابعة الأطباء بشكل مباشر”، كما قال: “عفرين منطقة وليست دولة. تحاربنا دولة معروفة بقوتها العسكرية وإمكانياتها، نحن سنصمد قدر الإمكان، ولكن إذا طالت المعركة بهذا الشكل سوف نحتاج أشياءً كثيرة، لأن حجم الدمار والاصابات بين المدنيين في تزايد، وهناك ارتكاب لمجازر يومية من قبل العدوان التركي، سنحتاج إلى أدوية وأجهزة ومعدات، إذ لم نتلق حتى الآن أية مساعدات من الخارج”.

 

مواقف سياسية

بخصوص الحملة التركية تحدث إلينا عضو الهيئة القيادية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا حسين طرموش، المقيم في عفرين، قائلًا: “بحجة حماية حدود الدولة وأمنها القومي يشن الجيش التركي حربًا عدوانية على منطقة عفرين. الهجمات تطال المواقع المدنية أيضًا، وتبث الخوف بين الأطفال والنساء والشيوخ. معظم الشهداء والجرحى المدنيين من النساء والأطفال”.

وحول صد الحملة أضاف طرموش: “إن المقاومة التي تبديها وحدات حماية الشعب والأهالي -وبمعنويات عالية وقناعة تامة- ستُفشل هذا العدوان، فنحن صامدون ومتشبثون بأرضنا”.

وحول الأوضاع الإنسانية نوه قائلًا: “التعاون جيد بين المؤسسات الصحية والأهالي في مساعدة الجرحى والضحايا، وهناك حاجة إلى مساعدات طبية من الجهات المعنية الدولية، خصوصًا أن الأهالي ينامون في الملاجئ والأقبية والكهوف تحسبًا لوقوع الهجمات على بيوتهم”.

من جهته أكد المتحدث باسم مركز العلاقات الدبلوماسية العامة في عفرين لحركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM عبد الرحمن سلمان أن الحملة التركية لا تستطيع تجاوز منطقة الحظر الحدودي، وأن الطرف السوري هو المبادر والمسيطر على الأمور، وقال: “هناك كرّ وفرّ قرب القرى الحدودية التي تفصل بعضها عن تركيا صفر كيلومتر، وحجم الخسائر كبير في الطرف المهاجم، فقد تم توثيق مقتل مئات المسلحين، رغم عدم توفر إحصائيات دقيقة بسبب شدة المعارك”.

وعن أحوال الأهالي قال سلمان: “نظرًا لشراسة الهجمة هناك قلق وترقب بين الأهالي، فهي تهدف إلى زرع الذعر بينهم، وقد تم إفراغ القرى القريبة من المعارك حفاظًا على أرواح المدنيين، وبقي فيها المؤهلون لحمل السلاح في الدفاع عن منطقتهم، وهناك حركة نزوح داخلية. ولم نر أي اهتمام بأوضاع هؤلاء من قبل منظمات إنسانية وحقوقية، إذ نعتمد على إمكاناتنا الذاتية في تدبير أمورهم”.

وناشد سلمان المنظمات الإنسانية الاهتمام بشؤون النازحين والأوضاع الإنسانية، ودعا الدول وأصحاب القرار لأداء واجبها، ولتفضيل مصالح الشعوب والناس على مصالحها الضيقة، وللقيام بحماية المدنيين.

 

نتائج مأساوية وتخوف من القادم

النتائج المأساوية لحرب تركيا الساخنة على عفرين متعددة الأوجه، يُراق فيها دم أبناء سوريا وتُنتهك سيادتها وأرضها، تُدمر الممتلكات والأموال، وتُعطل الحياة العامة، حركة نزوح داخلية ربما تتحول إلى نزوح جماعي، وقد تتطور الأوضاع إلى كارثة إنسانية. يناشد أهل عفرين المجتمع الدولي للعمل على وقف الحرب أولًا، ويدعو إلى احترام إرادتهم في حياة حرّة كريمة.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة