الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

أسئلة على هامش هجوم “شارلي إيبدو” الثاني

د.إدريس لكريني♦

شهدت أوروبا في العقدَين الأخيرَين عملياتٍ مسلحة عديدة نُسبت إلى جماعات “إسلاموية” متطرفة، أعقبتها ردود فعل كانت آثارها كارثية على الجاليات المسلمة، وعلى صورة الإسلام في الغرب، وكلما هدأت الأمور وتراجعت حدة “الإسلاموفوبيا”، إلا وجاءت أحداث جديدة لتعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

قبل أيام، نفَّذ متطرفون هجوماً خطيراً أمام المقر السابق لصحيفة “شارلي إيبدو” بباريس، أسفر عن جرح شخصَين، وتأتي العملية متزامنة مع استئناف القضاء الفرنسي تدابير محاكمة متهمين في العمليات الإرهابية التي استهدفت قبل خمس سنوات مقر الصحيفة، وخلفت 12 من القتلى في صفوف موظفيها، كما تأتي أيضاً بعد أسابيع من إعادة الأسبوعية نشر رسوم تسخر من رموز دينية إسلامية، سبق وخلَّفت استياءً عارماً في أوساط المجتمعات الإسلامية، وقد كشفت التحقيقات الفرنسية عن أن الأمر يتعلق بحادث إرهابي.

اقرأ أيضًا: تساؤلات حول ارتباط الهجوم الثاني على “شارلي إيبدو” بالإخوان المسلمين

وبالنظر إلى هول الحادث وردود الفعل المعادية للإسلام والمسلمين التي أعقبته داخل أوروبا، خرج حينها (2015) عدد من المسلمين في مناطق مختلفة من العالم، للتعبير عن رفضهم هذا السلوك، الذي أدانته مجموعة من المنظمات الإقليمية، كجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والهيئات المدنية والسياسية في المنطقة، والتأكيد أنها لا تمثل سوى الضالعين فيها.

تحيل العملية الأخيرة إلى ثلاث ملاحظات أساسية: الأولى، تبرز أن خطر الإرهاب ما زال قائماً، رغم التضييقات التي طالت الجماعات “الإسلاموية” المتطرفة في عدد من المناطق. والثانية، تظهر أن دائرة “الإسلاموفوبيا” ستتمدد، ويتصاعد العداء للجاليات المسلمة في فرنسا وأوروبا بشكل عام. أما الثالثة، فتشير إلى أن هذه العملية وسابقتها، تأتي في ظل حملة تحريض تمارسها العديد من التيارات باسم الإسلام.

الشرطة الفرنسية تطوِّق مكان الهجوم- “أ ف ب”

في الوقت الذي يعتبر فيه البعض أن هذا الحادث وغيره من العمليات التي طالت فرنسا كما عدداً من الدول الأوروبية كبريطانيا وبلجيكا وهولندا.. هو تعبير عن الإشكالات التي تحيط باندماج عددٍ من الأقليات المسلمة داخل المجتمعات الأوروبية، يرى آخرون أن الردود المتشددة والعنيفة إزاء ما قامت به الصحيفة من عملٍ مرفوض، تسيء إلى الإسلام والمسلمين أكثر مما قامت به هذه الصحيفة، وأن التطرف هو استثناء داخل جالية إسلامية واسعة يصل تعدادها إلى نحو ستة ملايين، بنسبة تتجاوز ثمانية في المئة من إجمالي السكان، تسهم بقسط وافر في تنمية وتطور المجتمع الفرنسي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.. ويعتبرون أن الحادث هو نتاج لمظاهر التحريض والشحن التي مارستها العديد من التيارات “الإسلاموية” التي تدين بالولاء لحركات عابرة للحدود، استغلت فضاء الحرية في البلاد لتمرير طروحاتها المتطرفة، وللعودة إلى واجهة الأحداث، بعد سلسلة من التراجعات والضربات الموجعة التي تلقتها خلال السنوات الأخيرة في عدد من المناطق.

إن هذه السلوكيات المتطرفة وغير المحسوبة، ستكرس ظاهرة “الإسلاموفوبيا” داخل أوروبا، وربط الإسلام والمسلمين بالعنف والتطرف، والتهويل من “أسلمة أوروبا”؛ وبخاصة مع ما يرافق هذه الأحداث من مواكبة إعلامية، ونقاشات فكرية وسياسية عادة ما تعتبر الأمر استهدافاً لحريتَي التعبير والرأي، ولاستقرار أوروبا.. بينما تجد فيه التيارات اليمينية فرصة سانحة لتأكيد طروحاتها المناهضة للمهاجرين؛ وبخاصة المسلمين منهم، والذين تعتبرهم المسؤول عن عدد من المعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيش على إيقاعها القارة الأوروبية.

شاهد: فيديوغراف.. هل يرتبط الهجوم الثاني على صحيفة “شارلي إيبدو” بالإخوان المسلمين؟

وقد عبَّر الكثير من الأوروبيين والأمريكيين عن رفضهم الإساءة إلى الأديان ورموزها باسم ممارسة حرية التعبير، بينما خرج عدد من المسلمين في فرنسا ودول أخرى؛ للتعبير عن رفضهم أية عمليات مسلحة، تتم في هذا الشأن باسم المسلمين أو الإسلام.

إن ازدراء الأديان والإساءة إلى رموزها التي تنامت في أعقاب العمليات التي طالت الولايات المتحدة في شهر سبتمبر من عام 2001، هو سلوك يشوِّش على كل المبادرات الإنسانية التي ترمي إلى التقريب بين الشعوب، وتعزيز فرص التعاون والتنسيق لمواجهة مخاطر وتهديدات تواجه الإنسانية جمعاء؛ وبخاصة في هذه الظرفية العصيبة التي يمر بها العالم تحت ضغط جائحة “كورونا”.

وفي مقابل ذلك، يظل الإرهاب مرفوضاً، ولا يمكن تبريره بأية غايات كيفما كانت، ففي ممارسة العنف تكريس لأحادية الرأي، وتغييب للعقل، وتجاوز لكل الضوابط القانونية والأخلاقية والدينية نفسها، ويشكِّل بذلك حطباً يذكي نار الكراهية تجاه المسلمين؛ ما يجعل منه عاملاً مغذياً لصعود التيارات اليمينية المتطرفة ولخطاباتها المتشددة في الغرب.

♦كاتب وجامعي من المغرب

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة