الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

أزمة مسلمي بورما.. الأسباب الفعلية والرواسب التاريخية

نظرة عميقة على العلاقة بين الإسلام والبوذية

إن نظرة سريعة على عناوين الأخبار التي تتوارد في الإعلام في الآونة الأخيرة تخلق انطباعا بأن ثمة حالة من الصراع والعداء تكتنف العلاقة بين البوذية والإسلام. هذا بالطبع ليس صحيحا حيث أن كلُاً من الديانتين تتألفان من مجموعات غفيرة ومتنوعة من البشر يختلفون في رؤاهم وتوجهاتهم وأرائهم اختلافا واضحا وأحيانا شاسعا. إلا أن الملحوظ أن هناك حالة عالية من التوتر بين البوذيين والمسلمين في المناطق والبلدان التي يتشارك فيها الاثنان العيش والمواطنة بما في ذلك ولاية راخين في ماينمار وجنوب تايلاند وسريلانكا ومنطقة لاداخ الواقعة شرقي ولاية جامو وكشمير الهندية.

ولعل حالة الاحتقان تلك تظهر بصورة أكثر وضوحاً من خلال الأخبار التي تتعلق بأعمال العنف ضد الأقلية الروهينغية حصراً دوناً عن بقية المسلمين في ميانمار، هذه الأقلية التي تتواجد في ولاية راخين، حيث بدأ هذا العنف المتبادل يتخذ أبعاداً أشد خطورة تهدد باتساع المواجهات بين المسلمين والبوذيين في منطقة شرق آسيا، ومن ذلك خروج مظاهرات في جاكرتا عاصمة إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة في العالم من حيث السكان، رفعت فيها شعارات إرهابية متطرفة مثل “نريد قتل البورميين البوذيين”، وأعقب المظاهرة التهديد بإعلان الجهاد في ميانمار لمساعدة الأقلية الروهينجية المضطهدة هناك! هذه الأقلية العرقية التي تشكل ما يقارب الـ ٤٩٪ من مسلمي ميانمار، فيما أن الـ ٥١٪ من مسلمي ميانمار يتمتعون بحقوقهم الوطنية الكاملة، ولا يتم التعرض لهم بسوء.. كونهم من وجهة نظر الحكومة الميانمارية “مواطنون ميانماريون” بخلاف أقلية “الروهينجا” الذين ينظر إليهم بأنهم مهاجرون غير شرعيين من بقايا الاستعمار البريطاني لغرب وجنوب غرب بورما.. ويطلقون عليهم في ميانمار لفظ “البنغال” كناية عن المناطق الأصلية التي جلبهم منها المستعمر البريطاني. إذ هم في الواقع ينتمون لمناطق من جنوب البنغال بحسب ما تكشفه لغتهم المحلية الخاصة بهم والغريبة عن البورميين بوذيين ومسلمين.

ويبدو أن هذه المخاطر العنصرية آخذة بالتمدد، لتؤثر بدورها على أوضاع الأقليات المسلمة في دول المنطقة ذات الأغلبية البوذية، وبالمقابل تأثر أوضاع الأقليات البوذية في دول المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، مثل إندونيسيا وماليزيا وبنغلادش، كما قد تسهم تلك الأحداث والتصعيد الإعلامي المتبادل في خلق حالة من التوتر بين  أتباع الديانتين في العالم بشكل عام، على الرغم من أن العلاقات فيما بينهم كانت ومن خلال أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمن تتسم بالتعايش في طابعها الغالب، رغم ما شابها في بعض الحقب من احتكاكات كانت في معظمها عرضية.

 

أسباب الإحتقان

ويذهب بعض المراقبين إلى أن أحد أسباب الاحتقان بين الأغلبية البوذية والأقلية المسلمة في ميانمار يكمن في البيئة الثقافية والاجتماعية المنغلقة تحت حكم العسكر الذي استمر منذ عام 1962  حيث عانى المسلمون “الروهينجا” من تمييز الحكومة العسكرية التي كانت على المستوى الرسمي تُعلِي من شأن البوذية. فيما يرى آخرون أن السبب يكمن فيما قام به المستعمر البريطاني من جلب لعشرات الآلاف من البشر، من بلد إلى آخر.. واختيارهم لهم من ديانة وعرقية مختلفة عن أبناء البلد الأصليين، لضمان بقاءه وسيطرته على المنطقة تحت شعار المصطلح السياسي العسكري والاقتصادي اللاتيني الشهير “فرق تسد”.

إلا أن هناك أسبابا أخرى يعزى إليها بصورة أساسية ذلك التوتر. ومن بين تلك الأسباب مشاعر الخوف لدى البوذيين تجاه المسلمين، ومنبع ذلك هو اعتقادهم بأن المسلمين سوف يفوقونهم عددا في المستقبل القريب. كثير من البوذيين أيضا يتخوفون من أن تفقد بلادهم هويتها المميزة، وأن تضمحل ملامح تلك الثقافة شيئا فشيئا ثم تنطوي تماما أمام زحف الإسلام ونفوذه. وهم ينظرون للتاريخ فيرون أن هذا هو ما حدث بالفعل في العديد من بلدان وسط آسيا، مثل شينجيانج الصينية وأفغانستان وباكستان، وهي مناطق كانت أغلبيتها تعتنق البوذية قبل وصول الإسلام إليها ما بين القرنين السابع إلى الحادي عشر الميلادي. وهناك تصور في الوعي الجمعي لهؤلاء البوذيين يتمثل في أن وصول الإسلام كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بتراجع البوذية.

وللأسف فإن تلك العوامل التاريخية والتغييرات في التوازنات السكانية التي طرأت على تلك المناطق ألقت في قلوب البوذيين خوفا عميقا ومتزايدا من المسلمين. ومشاعر الخوف تلك من بين الأسباب التي أدت إلى أعمال العنف التي تشهدها الجالية الروهينغية في ماينمار، وهي أيضا وراء العنف الذي يقع في بعض مناطق تايلاند وسريلانكا وإن بدرجة أقل بكثير مما هو عليه الخال في ميانمار. فمثلا إذا تم إعادة كل لاجيئ الروهينجا إلى ولاية راخين في ماينمار فسيصبح المسلمون أكثر عددا من البوذيين في تلك الولاية. وفي بعض مناطق لاداخ انخفضت نسبة البوذيين من 81 في المائة إلى 66 في المائة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ( بالنسبة إلى الهندوس والمسلمين)، وفي عموم لاداخ يشكل البوذيون حوالي 51 في المائة من السكان فيما يشكل المسلمون 49 في المائة وهو ما يسبب قلقا عظيما لمعتنقي البوذية هناك.

وإذا استعرضنا ردود الأفعال التي وردت في عدد من تقارير جريدة نيويورك تايمز الأمريكية فسيتضح لنا حقيقة مشاعر وموقف البوذيين البورميين، سواء في صفوف المتشددين لا سيما الرهبان البوذيين أوعامة المواطنين في ماينمار. أحد هؤلاء الرهبان قال:” الروهينجا استولوا على أرضنا وطعامنا وشرابنا. لن نقبل أبدا بعودتهم مرة أخرى”.  أحد المسئوليين السياسيين في راخين قال “إن كل ما يتعلمه البنغاليون في مدارسهم الدينية هو العنف. محال أن نعيش سويا في المستقبل”. وقال أحد الموظفين الحكوميين: “لا يمكننا أن نرحب بوجود الروهينجا بيننا فهم عنيفون ويتكاثرون بجنون.”

 

” بن لادن بورما”

 

الراهب اشين ويراثو على غلاف مجلة التايم

من ناحية أخرى فإن هناك جماعات بوذية متطرفة تذكي نار الصراع، في ماينمار، تدعى جماعة (969) بقيادة الراهب اشين ويراثو الذي قضى عقوبة السجن عام 2003 لاتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية، وتم الإفراج عنه عام 2012، وهو يشير الى نفسه بـ”ابن لادن بورما”!

وقد تعهدت جماعة (969) بالتعاون مع أطراف بوذية متشددة في بلدان ومناطق أخرى، مثل سريلانكا التي تنشط فيها  جماعة ” بودا بالا سينا” أحد الألوية البوذية المتطرفة التي تزعمت أحداث الشغب ضد المسلمين في البلاد عام 2014. من ناحيتها كانت لاداخ مؤخرا مسرحا للتوتر بين البوذيين والمسلمين في أعقاب زواج رجل مسلم من فتاة بوذية، وهو ما بدا للبوذيين المتطرفين برهانا على الخطر الذي يتهدد التركيبة السكانية في المنطقة. وقال أحد رجال الدين البوذيين بأن المسلمين يحاولون اجتثاثنا تماما. وهنا ناشد السيدات البوذيات بإنجاب المزيد من الأطفال!

 

البوذية تاريخياً

لقد كانت البوذية وفقا لبعض التقييمات هي الديانة الأوسع انتشارا في العالم منذ قرابة قرن من الزمان. هذا إذا أدرجنا ضمن البوذية كل من يتبعون الديانات الصينية الشعبية وغيرها من ديانات شرق آسيا. وفي العصر الحديث صارت البوذية عرضة للاضمحلال على نحو خاص لاسيما مع جنوح البلدان البوذية إلى العلمانية وصعود بعض الأجنحة المحافظة في الديانات الأخرى. و من المتوقع أن ينخفض عدد البوذيين على مستوى العالم  من 488 مليون نسمة إلى 468 مليون نسمة، وأن تتراجع النسبة التي يشكلونها ضمن إجمالي سكان العالم من 7 في المائة إلى 5 في المائة. أما المسيحية والإسلام فلا يزالان يحظيان بالانتشار. الإسلام بصفة خاصة يشهد انتشارا ملحوظا. من المتوقع أن يزيد معتنقيه من 23 في المائة من إجمالي سكان العالم إلى 30 في المائة بحلول عام 2050. بمعني آخر سيصل عدد المسلمين إلى ستة اضعاف عدد البوذيين في ذلك الحين.

اقرأ أيضاً: هكذا ستكون تركيبة الديانات في 2050

وقد تكون طبيعة الديانة البوذية ذاتها أحد عوامل ذلك التراجع, فهناك فجوة بالغة الاتساع بين معتنقي الديانة من العامة ممن تبنوا مجموعة من الطقوس الدينية المرتبطة بالأساطير البوذية وبين مجتمع الرهبان الذي يتقيد بتعاليم بوذا. وبينما تشتمل معظم الديانات على عنصري النخبة والعامة إلا أن الفجوة في تلك الديانات الأخرى ليست شيئا بالمقارنة بتلك الهوة الواسعة الموجودة في البوذية. فالمجتمع الذي أسسه بوذا كان مجتمعا رهبانيا يعرف باسم “السانجا”. وكانت رعاية الدولة ودعمها من بين العوامل شديدة الأهمية لبقاء “السانجا”، حيث أن الرهبان في العديد من البلدان البوذية يعتاشون من التسول، ولا يسهمون في الانتاج، كما لا ينخرطون في الحروب. وفي الأوقات التي تعرضت فيها الأقاليم البوذية لمداهمة من قبل قوات غير بوذية أو حين تخلى عدد من الحكام عن رعايتهم للرهبان تعرضت البوذية الرهبانية لتراجع ملحوظ فيما لجأ العامة من البوذيين إلى مزج طقوسهم الدينية بسائر طقوس وشعائر الديانات المهيمنة في ذلك الحين.

ففي العصور الوسطى، بعد ألف عام تقريبا من الازدهار للديانة البوذية، تراجعت البوذية بوصفها ديانة نخبوية في معظم البلدان التي كانت مزدهرة بها فيما عدا جنوب شرق آسيا وسريلانكا. الكونفوسيوشية  الجديدة أو ديانة الشنتو انتشرتا في شرق آسيا في الأساس لأسباب سياسية. وفي عام 845 م قامت سلالة تانج الصينية بحملات اضطهاد موسعة ضد البوذيين، وذلك بسبب إقبال أعداد غفيرة من السكان على الانخراط في الحياة داخل أديرة الرهبان المعفاة من الضرائب. ومنذ ذلك الحين صارت الكونفوسيوشية الجديدة هي المعتقد السائد لدى النخبة في الصين. الشئ نفسه حدث في كوريا ثم في اليابان آنذاك حيث روجت السلالات الحاكمة للكونفسيوشية الجديدة على حساب البوذية وكان ذلك في الأغلب لأسباب سياسية.

من ناحية أخرى، فقد اختفت البوذية تقريباً من جنوب آسيا حيث انضوت البوذية الشعبية ضمن الديانة الهندوسية حين تم اعتبار بوذا أحد تجسدات الإله الهندوسي فيشنو. الهندوسية كانت أقل اعتمادا على رعاية الدولة في بقائها وانتشارها وكانت متوافقة مع التوجهات السياسية وملائمة  لطقوس الحكم كما كانت وطيدة الصلة بالمعتقدات الشعبية. وفي مختلف أرجاء جنوب آسيا في أعقاب عام 1193 م حيث آلت السلطة لسلالات إسلامية حاكمة حظي الاسلام بانتشار سريع في المناطق ذات الكثافة البوذية مثل أفغانستان والسند وغرب البنجاب وشرق بنجلاديش، فيما كان انتشار الإسلام أقل سرعة في المناطق الأخرى ذات الأغلبية الهندوسية.

هذا التاريخ يسلط الضوء على مواقف البوذيين تجاه الإسلام بصرف النظر عن الفصائل الإسلامية أو البوذية المختلفة أو المتباينة. فتلك التواريخ وتلك التغييرات في التوازنات السكانية خلقت لدى البوذيين شعورا بالحصار يصعب عليهم التخلص من آثاره. وهو ما يفسر مشاعر العداء لدى البوذيين والتي تنبع أساسا من القلق على مصيرهم أمام تمدد الإسلام وانتشاره. وقد سعينا في هذا التقرير الموضوعي الموسع إلى إلقاء الضوء على طبيعة العلاقات بين الديانتين في مناطق الصراع، من منطلق أن الفهم الصحيح لمسببات الأزمة وخلفياتها التاريخية يسهم في التوصل إلى الحلول الملائمة والتسويات الناجعة.

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة