الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

“أزمة سد النهضة”.. هل بات الخيار العسكري وشيكاً؟

مراقبون لـ"كيوبوست": سيناريو الحل العسكري المباشر أو بالوكالة سيكون بداية مفتوحة النهايات

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

كلما مضى الوقت قُدماً، تراجعت إمكانية إيجاد تسوية سلمية لأزمة سد النهضة الإثيوبي بين السودان ومصر وإثيوبيا، بينما يتقدَّم الخيار العسكري إلى الواجهة.

ومع إصرار الطرف الإثيوبي على الملء الثاني دون اتفاق؛ الذي باكتماله يصبح إجمالي المياه المخزنة 18.5 مليار متر مكعب، تضع إثيوبيا كلاً من مصر والسودان أمام خيارَين؛ إما الرضوخ للأمر الواقع وإما الطوفان، إذ إن الخيار العسكري (ضرب) السد لن يكون مُجدياً حينها؛ لأن إغراق جغرافيا واسعة في كل من السودان ومصر ستكون نتيجته الحتمية، حسب خبراء في هذا الملف.

ولتجنب الدخول في هذه الخيارات الكارثية، لجأت كلٌّ من مصر والسودان إلى مجلس الأمن، وطالبتاه بالنظر في أزمة سد النهضة الإثيوبي بشكلٍ فوري وعاجل؛ باعتبار ذهاب إثيوبيا إلى إكمال عملية بنائه دون التوصل إلى اتفاق ملزم يعتبر مُهدداً للأمن والسلم الدوليَّين، بيد أن رد رئيس مجلس الأمن، نيكولا دو ريفيير، الخميس الماضي، جاء مخيباً للآمال المصرية- السودانية؛ حيث قال: “إن المجلس ليس لديه الكثير ليقدمه للبلدَين في ما يتعلق بأزمة سد النهضة، سوى جمع الأطراف وتشجيعها على ضرورة العودة إلى المفاوضات؛ من أجل الوصول إلى حلول مرضية”.

اقرأ أيضاً: إنفوغراف.. سد النهضة سبب الأزمة بين مصر وإثيوبيا

جهود دولية خجولة وأزمات داخلية معقدة

 في الوقت نفسه، لا يزال مبعوث الولايات المتحدة للقرن الإفريقي، جيفري فيلتمان، يبذل جهوداً مكثفة على ملفات كثيرة تخص المنطقة؛ أولها أزمة سد النهضة، عبر الضغط على جميع الأطراف من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات، وفقاً للمبعوث الأمريكي نفسه.

لاجئون إثيوبيون تيغرانيون من النساء والأطفال- وكالات

تعقيدات الداخل الإثيوبي

بطبيعة الحال، فإن إثيوبيا نفسها تعاني تعقيداتٍ داخلية وظروفاً أمنية بالغة الدقة؛ إذ تشهد موجة من التمردات الداخلية والحروب الأهلية والاحتجاجات المتواصلة على أداء حكومة آبي أحمد علي، وفي هذا الصدد تمكَّنت أكبر وأقوى حركة متمردة “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” من استعادة سيطرتها على الإقليم الواقع شمال إثيوبيا الأسبوع الماضي، بعد 8 أشهر من انسحابها من عاصمته “مقلى”، إثر تقدُّم تحالف عسكري، مكوَّن من الجيش الفيدرالي الحكومي، وجيش دولة إريتريا، المجاورة، وميليشيات قبلية أخرى، وفرض سيطرته على الإقليم الشمالي المتمرد، فضلاً عن الأوضاع الهشَّة في إقليم بني شنقول/ قُمز، الذي يُبنى عليه سد النهضة على بعد 100 كيلومتر فقط من سد الروصيرص السوداني؛ الأمر الذي يُشكِّل خطراً كبيراً على وجوده إذا ما حدث أي خطأ فني وانهار (النهضة).

اقرأ أيضاً: سد النهضة.. عودة السجال وتصاعد لغة الحوار مجدداً

الحل في تيغراي

فتحي عثمان

يقول المحلل السياسي الخبير بالمنطقة، والدبلوماسي الإريتري السابق فتحي عثمان، لـ”كيوبوست”: أولاً هناك تصور شعبي سائد، هو وليد حالة الحنق إزاء الإصرار الإثيوبي والتلكؤ في معالجة موضوع يمثل (حياة أو موتاً) بالنسبة إلى مصر والسودان؛ وهو تصور إمكانية ضرب السد عسكرياً، أو تخريبه إلكترونياً، كما طلب الدكتور حسن أبو طالب. بالنسبة إلى الأولى، وكما هو معلوم، فإن ضرب المنشآت المدنية يُعد ضمن جرائم الحرب، أما في الثانية فاكتشاف أن جهة ما مسؤولة عن إصابة السد أو تعطيله قد يخلق تبعات ربما تكون الدول الأخرى في غنى عنها.

يواصل عثمان: تبدو إثيوبيا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى عُرضةً لكل أنواع الأوبئة السياسية من التمرد المسلح حتى الانفصال والتفكك. قد يكون الخيار السانح في دفع إقليم تيغراي نحو الخيارات السياسية القصوى والمتمثلة في الانفصال عن الدولة الإثيوبية التي نفضت يدها فعلياً عنه وتركته لمواجهة أموره، وبتوقف الحرب، يمكن لقوات تيغراي أن تؤمن ممراً للسلاح عبر حدودها الغربية أو استخدام مطار العاصمة في استقبال دعم الأصدقاء الحيوي.

اقرأ أيضاً: مصر تبدأ تدويل قضية “سد النهضة”

اختفاء رئيسين

بالنسبة إلى عثمان، فإن لجوء مصر والسودان إلى مجلس الأمن للبت في أزمة سد النهضة، لن يُكتب له النجاح المؤزر، وقد تبدَّى ذلك في تأكيدات مبعوث فرنسا بأنه ليس من اختصاص المجلس توزيع حصص مياه النيل، وأن إعادة التفاوض يجب أن تكون من اختصاص الاتحاد الإفريقي، كما أن رفض إثيوبيا تدخل مجلس الأمن يبدو سليماً من الناحية الدبلوماسية؛ لأن الأطراف الثلاثة أسندت المهمة إلى الاتحاد الإفريقي، وأن إدخال عناصر أخرى، كما يطالب كل من مصر والسودان، قد يعقِّد الحل، أو تلويح إثيوبيا بفرملة الحلول في حال خروج الأمر من الاتحاد الإفريقي.

الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي يتبادلان الأنخاب

يختم عثمان بالقول: في كل الأحوال قد يكون الوضع في شمال إثيوبيا هو العقدة الكبيرة في حبل الوضع المتأزم في المنطقة، وفي كل الأحوال الأيام المقبلة ستكون حاسمة على كل الأصعدة.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير البيانات المائية أزمة بين مصر والسودان وإثيوبيا؟

خيار وشيك

خالد طه

وفي السياق ذاته، وصف الصحفي والمحلل السياسي خالد محمد طه، في تعليقه على الأحداث، إثيوبيا بأنها تجلس على تل من الأحزان، ليس فقط بتطورات النزاع على أزمة ملء سد النهضة، بل بقرب لحظة الانفجار الحتمي الذي قد يطيح بها كدولة موحدة، وقد يمتد الأثر والتشظي إلى بلدان أخرى؛ مثل السودان وإريتريا.

يضيف طه، متحدثاً إلى” كيوبوست”: أصبح الحل العسكري لقضية سد النهضة، السيناريو الأقرب؛ لكن ذلك سيكون بالوكالة هذه المرة، عبر تغذية التنظيمات الإثيوبية المناوئة للحكومة بالترافق مع استخدام أوراق الضغط الدولي، وبالمقابل سيتعين على آبي أحمد وحلفائه خوض غمار هذه الواجهة من ناحية، والاستمرار في ملء السد من ناحية أخرى، فتصبح المياه حافظة للسد أكثر من كونه حافظاً لها!

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإثيوبية في زمن الحرب والمجاعات.. “صناعة إفريقية”!

سياسة الورقة الأخيرة

يُشدِّد طه على أنه في الحالتَين، حالة خلق الفوضى الشاملة وتوسيع نطاق المواجهات العسكرية في الدول المجاورة لإثيوبيا، أو استخدام المياه لمنع تعرض جسم السد إلى أية ضربة، ستبرز سياسة الورقة الأخيرة بطريقة تجعل تدخل الأسرة الدولية محفوفاً بمخاطر كثيرة؛ أهمها إنتاج أكثر من دولة فاشلة في ذات المنطقة، وبالتالي زيادة جيوب وبؤر الإرهاب، وتضاعف تدفق اللاجئين والمُهاجرين غير الشرعيين إلى دول العالم الأول، وتقويض الترتيب الدولي الجديد لأوضاع المنطقة، ومحاولة إرساء نمط اقتصادي جديد كما هي الحال في السودان.

الموقع الجغرافي لسد النهضة- المصدر البنك الدولي

المتابع للتاريخ السياسي والمجتمعي وأنماط التفكير لدى الأطراف المتنازعة في القرن الإفريقي، يدرك أن الانتصارات أو الهزائم العسكرية لم ولن تكون نهاية النزاعات على الإطلاق، وحسب طه، فإن سيناريو الحل العسكري المباشر أو بالوكالة سيكون بداية مفتوحة النهايات، ولن يكون الأمر مجدياً إلا في حالة تعزيز البدائل الديمقراطية الحقيقية، والابتعاد عن ذهنية المشاكسة السياسية التي تسيطر على كل الفاعلين في المشهد الشرق إفريقي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة