الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أزمة اليسار الأمريكي!

لماذا يفقد التقدميون قوتهم السياسية حتى قبل حرب روسيا على أوكرانيا؟

كيوبوست- ترجمات

ستيفن ويرثيم♦

قال الكاتب والباحث الأمريكي ستيفن ويرثيم، إنه قبل عام واحد كانت السياسة الخارجية التقدمية في تصاعد بشكل كبير، أو هكذا بدا الأمر. وبدأ جو بايدن في تحقيق الأولويات التي حددها خلال حملته الرئاسية؛ وعلى رأسها وضع حد لحروب الولايات المتحدة “التي لا تنتهي”، وتحفيز الانتقال إلى الطاقة الخضراء. 

لكن اليوم، بدأ التقدميون في فقدان قوتهم وتميزهم السياسي. وحتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا، كانت إدارة بايدن قد أوقفت جهودها لتقليص الأهداف السياسية والعسكرية الأمريكية. وأكد استعراض القوة العسكرية أن هذا هو الوضع الراهن؛ حيث زعم بايدن مراراً أن الولايات المتحدة لديها التزام بالدفاع عن تايوان.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وأرجع ويرثيم ذلك إلى الحرب في أوروبا التي أدت إلى تسريع التحول نحو الأولوية العسكرية؛ ما جعل الولايات المتحدة تتحمل التكاليف المالية المتزايدة وتواجه خطر التورط في صراعات كبرى في المستقبل القريب. ومن ناحية أخرى، تسببت عدوانية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تفتت اليسار الأمريكي؛ فأثناء الجدل المشحون عاطفياً حول الحرب، يُقال إن الدعوة إلى ضبط النفس هي أقرب للاسترضاء.

الرئيس جو بايدن إلى جانب السناتور بيرني ساندرز قبل خطابه الأول في جلسة مشتركة للكونغرس 2021- “بلومبرج”

فمنذ الحرب الباردة، تعامل التقدميون الأمريكيون مع السياسة الخارجية عبر ثلاثة تصورات متداخلة ولكنها متمايزة؛ الأول، ويمكن القول إنه الأفضل تمثيلاً في صناعة القرار السياسي، يهدف إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد الاستبداد والوحشية. ومثل الكثير من التيار الليبرالي الدولي السائد، يعتقد التقدميون الذين يتبنون هذا الرأي أن قوة الولايات المتحدة يجب أن تعزز القيم والمعايير العالمية.

اقرأ أيضاً: هل يسير الجيش الأمريكي “المُسيَّس” على خطى نظيره الفرنسي؟

أما التصور الثاني فيركز على التعاون العالمي، غالباً من خلال الحوكمة العالمية. ومن هذا المنظور، فإن الأولوية القصوى للولايات المتحدة والعالم ينبغي أن تدعم التصدي للتحديات العابرة للحدود؛ مثل تغير المناخ، والأمراض الوبائية، والانتشار النووي، والتفاوت الاقتصادي.

بينما يأخذ التصور الثالث من ضبط النفس السياسي العسكري بوصلة محركة لسياسته. ففي حين يريد التقدميون والحلفاء العالميون صياغة النظام العالمي وفقاً لأهوائهم، فإن المعارضين يتشككون في أن مثل هذا الهدف يُعد ذا أهمية قصوى أو أنه سيتم تحقيقه من خلال التفوق العسكري.

قوات المارينز تساعد طفلاً خلال عملية إجلاء في مطار كرزاي الدولي خلال فوضى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.. 2021

وأضاف ويرثيم أنه غالباً ما يدعو معارضو السياسات التقدمية، مثل كيت كايزر من مركز السياسات الدولية، وسارانغ شيدور من معهد كوينسي لممارسات الحكم المسؤول، إلى تعزيز التعاون الإقليمي أو العالمي، بحجة أن “التواضع الجيوسياسي” من قِبل الولايات المتحدة يمكن أن يقلل من التوترات الدولية.

اقرأ أيضاً: أزمة أوكرانيا.. عندما تصطدم الأوهام الأمريكية بسياسة القوى العظمى

وتطورت هذه الرؤى خلال الفترة التي تمتعت فيها الولايات المتحدة بهيمنة عالمية لا مثيل لها بعد نهاية الحرب الباردة. وسمحت الأحادية القطبية للتقدميين بمزج ومطابقة عناصر كل تصور دون تناقض كبير، حسب الباحث في الشؤون الدولية.

غير أن التقلبات العالمية فرضت واقعاً جديداً على الأصعدة كافة. ففي العام الماضي، وافقت أكثر من 130 دولة على فرض حد أدنى عالمي للضريبة؛ الأمر الذي من شأنه أن يمنع الشركات من نقل الولايات القضائية للتهرب من التزاماتها العامة، رغم أن الولايات المتحدة لم تمتثل بعد.

ضباط شرطة الكابيتول يحاولون السيطرة على الوضع بعد اقتحام أنصار ترامب غرفة النواب خلال جلسة الكونغرس لفرز أصوات الانتخابات الرئاسية لعام 2020

وعلى نحو مماثل، حفزت الحرب في أوكرانيا الولايات المتحدة وأوروبا على اتخاذ إجراءات صارمة ضد التمويل غير المشروع المرتبط بالنخب الروسية، وبالتالي إظهار أن السلطات العامة قادرة على مواجهة الكليبتوقراطية عندما تتوفر الإرادة السياسية. 

ولفت ويرثيم، في مقالته التي نُشرت في مجلة “فورين أفيرز“، إلى أنه إذا استمرت الولايات المتحدة في ضمان الدفاع عن حلفائها وشركائها في آسيا وأوروبا في وقت واحد، حتى مع ارتفاع خطر نشوب صراع في كل منطقة؛ فمن المستحيل عملياً تخيل انخفاض ميزانية البنتاغون عن المستويات الحالية، ومن السهل تخيل أنها ستتضخم إلى أكثر من تريليون دولار سنوياً.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

ويعمل الكونغرس بالفعل على زيادة الإنفاق الدفاعي لعام 2023، بالإضافة إلى 9.9 مليار دولار تم إرسالها إلى أوكرانيا منذ اشتعال الغزو الروسي. أما في حال ترسخت حرب باردة جديدة، فإن دائرة لا هوادة فيها من الاتهامات والاتهامات المضادة يمكن أن تجعل الصين وروسيا أكثر تشككاً وعدوانية، الأمر الذي سيولد حلقة من ردود الأفعال تكافئ أكثر الأصوات تطرفاً في كلا البلدَين وفي الولايات المتحدة أيضاً.

متظاهرون يطالبون الرئيس بايدن بالوفاء بوعوده في ما يتعلق بقضايا المناخ والصحة والبطالة

ولن يقبل الشعب الأمريكي وممثلوه في الكونغرس بسهولة الحاجة إلى خوض حرب من المرجح أن تتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح أو في ركود اقتصادي. وقد كان النظام السياسي للولايات المتحدة بطيئاً في التكيف مع هذا الواقع لاعتياده على التعامل مع التهديدات الطفيفة التي تشكلها الدول الصغيرة والجماعات الإرهابية.

اقرأ أيضاً: قانون بايدن ضد التعصب

وأكد ستيفن ويرثيم أن هذا الجمود يمنح التقدميين فرصة لتوجيه الحوار الوطني من خلال إلقاء الضوء على العواقب المترتبة على حرب القوى العظمى.

ولعل إيجاد مكانة بارزة للمصالح، بالإضافة إلى القيم، يشير إلى قدر ما من التفاؤل للمضي قدماً في ما يتصل بالتحديات العالمية المتمثلة في تغير المناخ والأوبئة؛ حيث يتفق التقدميون من جميع المشارب على ضرورة مكافحة هذه المشكلات بشكل عاجل على نطاق عالمي.

أمريكيات في مسيرات ضد قرار المحكمة العليا بخصوص حق الإجهاض الذي أثار الجدل بين أوساط اليسار الأمريكي والحقوقيين

ولكن يبدو من الأسهل الآن أن نتصور انتقال العالم بنجاح إلى الطاقة الخضراء والاستعداد للوباء القادم من أن نتخيل نجاح إقامة علاقة تعاونية بين الصين وروسيا والولايات المتحدة، على حد قول ويرثيم، الذي أشار إلى أنه قبل ما يزيد على قرن بقليل، حين كانت الحرب تهز أوروبا، فكر التقدميون في الولايات المتحدة في كيفية الرد ومزقوا أنفسهم إرباً.

اقرأ أيضاً: من نيكسون إلى ترامب.. كيف كانت السياسة الخارجية طوق نجاة من العزل؟

وبحلول عام 1917، قرر الرئيس وودرو ويلسون، وهو إصلاحي تقدمي، أن يتخلى عن الحياد، وأعلن أن الولايات المتحدة “ليست لديها غايات أنانية لتخدمها”؛ وستدخل الحرب ضد ألمانيا لجعل العالم مكاناً “آمناً للديمقراطية”. ولم يوافق المفكر التقدمي راندولف بورن، الذي تمسك بهوية الولايات المتحدة متعددة الثقافات كأساس لأممية جديدة.

وهاجم “استعداد العقل الأمريكي لفتح بوابات المياه وإغراقنا بمياه الصرف الصحي من روح الحرب”، على حد قوله. وغالباً ما يتحدث المؤرخون عن نهاية العصر التقدمي بنهاية الحرب العالمية الأولى، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الصراع أدى إلى تمزيق الحركات التقدمية بصفة عامة، وهو الصدام الذي يتردد صداه الآن.

الأمين العام لحلف الناتو ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني في مقر الناتو لبحث ملف أوكرانيا

وختم ستيفن ويرثيم بقوله إن الشعور بالأزمة سيزداد مع تزايد مخاطر خيارات السياسة الخارجية؛ وهو سبب إضافي لدفع التقدميين على الفور إلى تطوير أفكارهم بشأن التنافس الاستراتيجي والتعبير عن اختلافاتهم بصراحة واحترام. ومن ثمّ لا تظل الحركة التقدمية أحادية الفكر، ولا تتردد في التأقلم مع مشكلات اليوم والغد.

اقرا أيضاً: الفانتازيا اللا نهائية للقوة الأمريكية!

فالتقدميون منقسمون بشأن السياسة الخارجية بشكل أقل حدة مما كانوا عليه في الماضي. ومع ذلك، فإن بعض التوترات الأساسية باقية كما هي؛ أي الانقسام بين تشكيل الأوضاع في الخارج وبناء الديمقراطية في الداخل، وبين خدمة الأهداف العالمية وتجنب الغطرسة الإمبريالية.

♦زميل أول برنامج إدارة الدولة الأمريكية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومحاضر زائر في كلية الحقوق بجامعة ييل.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة