الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

أزمة الوطن العربي.. لماذا أجّل الحديث عن الديمقراطية لصالح العلمانية؟

الخطاب الديمقراطي فقد جدواه مع صعود حركات الإسلام السياسي

خاص كيو بوست – 

انتقلت المنطقة العربية في فترة ما بعد “الربيع العربي” من الصراع على الديمقراطية، إلى الصراع بين الأنظمة العلمانية والإسلامية. وكان لانحراف الصراع عوامل عدّة: أهمها أن الخطاب الديمقراطي الذي سيطر على الساحتين الإعلامية والسياسية في السنوات الأخيرة، فقد جدواه مع صعود حركات الإسلام السياسي على حساب الحركات الديمقراطية، وهو ما أدى في مصر خاصة، إلى خروج الأحزاب الليبرالية والعلمانية الديمقراطية في ثورة 30 يونيو لمواجهة النظام الإخواني، رافعين شعارات الديمقراطية مرّة أخرى، بعد نجاح ثورة 25 يناير، بسبب المنحى الاستبدادي الذي سلكه الإخوان المسلمون في فترة حكمهم الوجيزة.

وهو ما تكرر في دول مثل سوريا وليبيا وتونس، حيث وجد العلمانيون أن الديمقراطية تمر أولاً من خلال علمنة المجتمع، وتهيئته لقبول الديمقراطية، قبل القفز إلى صناديق الانتخابات التي استبدلت الحكم العسكري بالاستبداد الديني وحولت الدولة من الشمولية، إلى الثيوقراطية.

وعلى الرغم من سيطرة الحركات الإسلامية على معظم المنصّات الإعلامية في الوطن العربي، وانتقائيتها في عرض الأحداث، وترويج مصطلحات بعينها، بما يخدم أهدافهم، إلّا أنّ شوارع الدول شهدت احتجاجات مناوئة لوصولهم إلى السلطة، أكثر بكثير من الاحتجاجات التي وقعت في عهد الحكومات السابقة مع بدايات الربيع العربي.

بحسب الإحصاءات الديموغرافية على الأرض، كان معظم اللاجئين إلى خارج سورية، قد فرّوا من المناطق التي تركزّ فيها حكم الحركات الإسلامية، بالذات من إدلب وحلب والرقة ودير الزور، حيث قويت شوكة الإسلاميين. كما أن حركة النزوح داخل البلد، كانت من المناطق التي سيطرت عليها الحركات الإسلامية بجميع أطيافها، وذهابهم لمناطق سيطرة النظام، حيث نزح عشرات الآلاف من مناطق حلب وإدلب تحت حكم الإسلاميين، إلى مناطق دمشق والساحل السوري.. بسبب ما عانته “الإمارات الإسلامية” من فوضى واقتتال داخلي وصراعات تكفيرية دفع المدنيون ثمنها، حيث أصبحت كل إمارة إسلامية صورة مصغرة عما يحدث في دول كالصومال وأفغانستان، التي يخوض فيهما الإسلاميون منذ عشرات السنين حربًا دينية، عجز العالم عن حلها أو حتى محاولة فهم أسبابها.

وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تعاني من الإرهاب والركود الاقتصادي وبوادر الانقسام داخل البلد، كان على رأس أولوية الإخوان هو “تمكين” حكمهم، عبر تشريع المواد الدستورية التي تلغي المواطنة، وتؤسس لترجيح كفة الولاء للتنظيم والهوية الدينية على الانتماء للهوية الوطنية.

الموجة الثورية الثانية في مصر، والتي تسميها الآلة الإعلامية للإخوان بـ “الثورات المضادة” كانت ضد حكم الإسلاميين أنفسهم، وفاقت أعداد المشاركين فيها، أعداد المشاركين في ثورة 25 يناير، حيث قُدّرت أعداد المشاركين في الثورة الثانية بـ30 مليونًا، مما مهد لعزل الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي عن سدة الحكم، وكانت فاتحة لصراع آخر ما زال يلقي بظلاله على الحالة السياسية في الوطن العربي.

الصراع بين الأنظمة العلمانية والإسلامية

بعد حسم الصراع داخل دول الربيع العربي لصالح العلمانيين، سواء في تونس التي جاء الحسم فيها عبر صناديق الانتخاب، أو في سورية التي أخذ الحسم العسكري نصيبًا كبيرًا، في التمهيد لإجراء المفاوضات وتعبيد الطريق للحل السياسي. تحوّل الصراع الداخلي إلى إقليمي، ما بين الأنظمة العلمانية والإسلامية.

كان تصريح سفير الإمارات في واشنطن في يوليو الفائت، يوسف العتيبة، كاشفًا عن الأسس الفكرية لذلك الصراع، ومن كونه صراعًا على رؤية مستقبل المنطقة العربية، وبأن الدول الأربع المقاطعة لقطر تسعى للعلمانية. وابتدأت تلك الحرب مع إسقاط الإخوان شعبيًا وديمقراطيًا، ما جعل من حلفائهم الإقليميين في قطر وتركيا، ينقلون المعركة إلى واجهة أخرى من التحريض لتدمير تلك الدول.

وهو ما مهد لعمليات إرهابية، حاولت بداية ضرب الاقتصاد المصري، بتنفيذ هجمات ضد السياح الأجانب، لضرب العصب الرئيسي للاقتصاد المصري، ومن ثم ضرب الوحدة الداخلية، لإحداث فتنة طائفية راهن عليها الإخوان، باستهداف الكنائس، والأقليات الدينية. ومن ثم ضرب الأمن المصري، باستهداف الشرطة وجنود الجيش، لإحداث هزيمة معنوية وزعزة إيمان المواطن المصري بقدرة الدولة على حماية مواطنيه. ثم كانت آخر نتيجة للعمليات سقوط أكثر من 300 قتيل مدني، باستهداف لمسجد الروضة في مدينة العريش المصرية.

ضرب الاقتصاد والوحدة الوطنية، وبث الهزيمة المعنوية والنفسية لدى المواطن، كانت سلاح الحركات الإسلامية والأنظمة الراعية لها في مواجهة خصومها من العلمانيين، فالإسلاميون ومن خلال تجاربهم السابقة، يعتبرون عدم الاستقرار، بيئة خصبة لمد نفوذهم إلى مناطق جديدة، وهو ما كشفته وثائق السي أي إيه الأخيرة عن رؤية بن لادن تجاه الفوضى الناتجة عن الربيع العربي، حيث اعتبر أن “الثورات، أفضل بيئة لتحقيق أهداف التنظيم ونشر أفكار القاعدة”. وهو ما يبدو جليًا في المناطق التي تعمها الفوضى، من الصومال إلى أفغانستان والعراق وسوريا.

وحتى سيناء التي تعاني من ارتخاء لقبضة الدولة المصرية عليها، تحوّلت مع مرور الوقت وصارت مسرحًا لتدريب الإرهابيين وتصديرهم. فالصورة الذهنية للإسلاميين معادية أصلًا لوجود فكرة “الدولة”، لأنها تعتبر كيانًا صلبًا من الصعب اختراقه لترويج أفكارهم، وقد هيمنت عليهم منذ البدء فكرة إسقاط الدول، وذلك لمقدرتهم الفذة -على خلاف غيرهم من الأحزاب- للعيش في ظل فوضى الاقتتال والحروب الأهلية المستدامة.

ومن خلال تجارب الحركات الإسلامية، لم يكن بمقدورهم الحفاظ على تماسكهم في الدول التي لم يستطيعوا فيها هدم أركان الدولة ومؤسساتها، مثل تونس. بينما استمر حكمهم في الدول التي هدموا مؤسساتها الديمقراطية وبنوا على أنقاضها مؤسساتهم الدينية الخاصة، مثل إيران التي تعتبر المعارضة السياسية فيها ضربًا من الخيانة والكفر، والحزب الحاكم في تركيا الذي يعزو وجود معارضة غير إسلامية داخل الدولة، امتدادًا للتآمر الدولي ضده!.

وهو ما جعل الأحزاب العلمانية، ونخبهم الديمقراطية، يخرجون إلى الشوارع، وفي أذهانهم مشاهد القمع والحروب الأهلية في جميع الدول التي سيطر عليها الإسلاميون من قبل.

آفاق الصراع بين الإسلامية والعلمانية

مع صعود الحركات الدينية المتشددة، وعلى طريقتهم في العبث بالمصطلحات، حاول الإسلاميون تمرير تعريف العلمانية، بلسان شعبوي، حرفت مفهوم “العَلمانية” لجعلها تتناقض مع “الدين”. إذ تحاول العَلمانية كمذهب زمني دنيوي.. الفصل بين الإيمان الروحي والعقلي، والإنساني عن الغيبي. وبحسب جورج هوليوك فإن: “العلمانية ليست ضد الدين بمكان، ولكنها مستقلة عنه”. وهي ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي أسلوب حكم، ترفض مطلقاً جعل الدين مرجعاً للحياة السياسية أو القانونية.

والعلمانية التي أطفأت فتن وحروب أهلية في الغرب، وصارت أرضية لنشوء الحكم الديمقراطي، القائم على التعددية، وتناوب الحكم، بعكس “مأسسة الدين” الذي يعتبر كلاً شاملًا، أيديولوجيًا وعقائديًا، يقاتل مستميتًا لتفويض رجاله كأوصياء على المجتمع الدنيوي والآخروي، وفي ذات الوقت يقاتل كل التعريفات والاجتهادات الأخرى في الحياة.

فلا يمكن نشوء ديمقراطية سليمة، قائمة على التعددية والازدهار، من دون محاربة احتكار الرؤية الواحدة، وهي حركة التاريخ التي مرّت بها أوروبا في القرون الوسطى، قبل أن تصبح علمانية أولًا، وديمقراطية ثانيًا، حتى صارت الوجهة الأولى لهجرة المسلمين، اللاجئين إليها من غياهب القرون الوسطى التي يعيش فيها الشرق العربي والإسلامي المتعدد، وفي ذات الوقت يفتقد للتعددية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة