الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أزمة الشرعية في إيران

الاحتجاجات الحالية ستضع النظام الإيراني أمام تحدٍّ أكبر بكثير من مسألة خلافة المرشد الأعلى الذي أصبح الآن الزعيم الأطول حكماً في الشرق الأوسط

كيوبوست- ترجمات

سانام وكيل♦

أثارت الأخبار حول مرض المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، موجة كبيرة من التكهنات حول مدى تدهور الحالة الصحية للرجل البالغ من العمر 83 عاماً، وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الجراحة التي خضع لها خامنئي قد تركته طريح الفراش يعجز حتى عن الجلوس. ووصلت بعض التكهنات إلى القول إنه على فراش الموت؛ بل إنه قد مات بالفعل.. وبدأت النقاشات تدور حول كيفية اختيار خليفة له؛ ولكن سرعان ما قام خامنئي نفسه بدحض كل هذه التكهنات عندما ظهر في 17 سبتمبر في مراسم أربعين الإمام الحسين، وهو يتجول دون عصاه التي اعتاد أن يحملها في الأماكن العامة منذ أكثر من أربعين عاماً.

لكن الضجة التي أثارها ظهور خامنئي لم تستمر إلا ساعات قليلة؛ إذ طغت عليها أخبار الاحتجاجات التي اندلعت في شمال غرب إيران في أعقاب جنازة ماسة أميني، ابنة الاثنين والعشرين عاماً، بينما كانت قيد الاعتقال لدى شرطة طهران بسبب عدم ارتدائها الحجاب بالطريقة الصحيحة. وسرعان ما توسعت دائرة الاحتجاجات إلى المدن المجاورة، ثم إلى أكثر من 80 مدينة في مختلف أنحاء البلاد. كانت العديد من المظاهرات تتم بقيادة فتيات شابات؛ وصل الأمر ببعضهن إلى إحراق الحجاب في الشوارع، والمطالبة بإلغاء الشرطة الدينية والهجوم العنيف على المؤسسة الدينية والمرشد الأعلى نفسه.

اقرأ أيضًا: إيران: المظاهرات مستمرة.. والنظام يعلق أخطاءه على شماعة الخارج

وبطبيعة الحال، حظيت هذه الاحتجاجات بتغطية إعلامية عالمية واسعة تناولتها بكثير من البحث والتحليل. وقد نشر موقع “فورين أفيرز” مقالاً بقلم سانام وكيل، يصف فيه هذه الموجة بأنها أكبر تحدٍّ يواجه الحكومة الإيرانية منذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، ويقول إن السخط على خامنئي والمؤسسة الدينية قد تحول إلى أزمة شرعية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية.

ويرى وكيل أن هذه الاحتجاجات ستضع النظام الإيراني أمام تحدٍّ أكبر بكثير من مسألة خلافة المرشد الأعلى الذي أصبح الآن الزعيم الأطول حكماً في الشرق الأوسط، والذي ستؤدي وفاته إلى تغيرات كبيرة في إيران وفي المنطقة بشكل عام، وستؤثر بشكل مباشر على علاقة إيران بجيرانها العرب وخصومها الغربيين. ترتكز عملية خلافة المرشد الأعلى على مكونات رسمية وغير رسمية تعكس التداخل بين الهيئات المنتخبة وغير المنتخبة في النظام الإيراني الهجين. ينص الدستور الإيراني على أن مجلس الخبراء يرشح وينتخب المرشد الأعلى الجديد بأغلبية الثُّلثين. وقد بدأ التحضير لهذه العملية منذ وقت طويل؛ ففي عام 2016 أعلن قادة المجلس تشكيل لجنة لتحديد مؤهلات المرشد المثالي الذي ينص الدستور على أنه يجب أن يكون “عادلاً وتقياً ومدركاً لسنه وشجاعاً وواسع الحيلة ومتمتعاً بقدرات إدارية عالية”. كما ينص الدستور على أن مجلساً مؤقتاً يتألف من الرئيس الإيراني ورئيس القضاء وممثل عن مجلس صيانة الدستور، يتولى مهام القيادة مؤقتاً لحين انتخاب المرشد الجديد.

ويرى بعض المحللين أن هذا المجلس يمكن أن يكون تطوراً جديداً بعد وفاة خامنئي؛ إذ يشكل حلاً وسطاً يجمع بين شخصيات من فئات مختلفة لإدارة النظام السياسي الممزق في البلد. إلا أن هذا السيناريو يتطلب تعديلات دستورية ليصبح احتمالاً حقيقياً؛ ولكن من المرجح أن المؤسسة الدينية والدولة العميقة في إيران سوف تنتج مرشحاً مقبولاً لخلافة خامنئي. فالدولة العميقة هي التي تقود بشكل غير رسمي عملية الخلافة. وعلى الرغم من أن الحرس الثوري الإسلامي المكلف بحماية الأمن القومي للبلاد يعتبر رديفاً للدولة العميقة؛ فهنالك أيضاً البنى الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية المعقدة والبيروقراطية الدينية والمؤسسات الخيرية شبه الحكومية والعديد من الكيانات الخاصة التي تلعب دوراً مهماً في عملية التمويل، والأهم من كل ذلك، مكتب المرشد؛ وهو كيان قوي يمارس الرقابة الدقيقة على جميع الأنظمة والإجراءات في البلاد، وجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الذي يتمتع بسلطات واسعة.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في ذكرى أربعين الإمام الحسين- وكالات

ومنذ السنوات الأولى لولايته، قام المرشد الأعلى بتعزيز دور الدولة العميقة؛ لترسيخ سلطته في النظام السياسي الإيراني، ونجح في تهميش خصومه السياسيين ورجال الدين الذين لم يقدموا له الولاء والطاعة. وأصبحت الدولة العميقة أكثر وضوحاً أثناء ولاية الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي؛ حيث اعتبرت الفكر الإصلاحي تهديداً مباشراً يشبه أفكار الرئيس ميخائيل غورباتشوف، التي أوصلت الاتحاد السوفييتي إلى الانهيار. وبدأت الدولة العميقة تفرض نفسها خارج إطار قاعدتها الأمنية والاقتصادية وتدخلت في السياسة لإحباط الأفكار الإصلاحية والمعارضة الداخلية. واستمرت هذه الممارسات بعد خاتمي في تقييد أجندات الرؤساء المتعاقبين حتى اليوم. ومن المتوقع أنها ستسعى إلى إيصال مرشح محافظ ممن يتمتعون بعلاقة وثيقة مع المرشد الحالي.

وفي أعلى قائمة المرشحين يتربع الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي، المقرب من خامنئي، والذي تدرج في مناصب عديدة مهمة، قبل أن ينتهي به المطاف في رئاسة الجمهورية. ويعتقد كثيرون أنه سيحذو حذو خامنئي في الانتقال من منصب الرئيس إلى منصب المرشد الأعلى؛ ولكن تاريخ الرجل سوف يعرضه إلى كثير من التدقيق في الداخل وسيضعف مكانته داخل الدولة العميقة. ومن المعروف أن رئيسي قد وصل إلى الرئاسة بعد انتخابات شهدت أدنى نسبة من التصويت في تاريخ إيران، وتولى منصبه في أوج سياسة الضغط الأقصى والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، والتي أنهكت اقتصادها. وكذلك هنالك عدد من التحديات التي من شأنها أن تضعف موقف رئيسي في المنافسة؛ مثل الاغتيالات التي نفذتها المخابرات الإسرائيلية في الداخل الإيراني، وتعثر المفاوضات حول الاتفاق النووي، وموجات الاحتجاجات المتتالية على الوضع الاقتصادي، وسوء الإدارة وقمع الدولة الأمنية.

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي

المرشح الآخر الذي يتم تداول اسمه ولو بشيء من التحفظ هو مجتبى، الابن الثاني لخامنئي، الذي يتمتع بصلات وثيقة مع الأجهزة الأمنية والدولة العميقة؛ ولكنه يلقى معارضة ممن يرون أن تحول إيران إلى نظام حكم وراثي من شأنه أن يقوض شرعية المؤسسة الحاكمة في إيران. ولكن ارتباط مجتبى بالمؤسسات الأمنية، وإدراك الدولة العميقة أن إبقاء أفراد من عائلة خامنئي قريبين؛ من شأنهما أن يساعدا على احتواء معارضة محتملة في المستقبل لدورها. كما يعتبر الكثير من الإيرانيين أن فكرة توريث الحكم خيانة للثورة، ويشككون في إمكانية إضفاء الطابع المؤسسي على الحكم الموروث بعد أن أطاحت الثورة بنظام الشاه وسلالة بهلوي.

مجتبى خامنئي

وقد عانى المرشحون الآخرون الذين تم تداول أسمائهم لخلافة المرشد، محاولاتِ تشويه السمعة التي طالتهم، كما حصل مع صادق لاريجاني الذي لاحقته اتهامات بالفساد. ومع استبعاد احتمال حصول رئيسي أو مجتبى خامنئي على إجماع، يبقى احتمال ظهور مرشح مغمور من داخل مجلس الخبراء تكون الدولة العميقة قادرة على السيطرة عليه. ومع استمرار عدم اليقين هذا دون وجود مسار واضح يحظى بالإجماع، أو مرشحين أقوياء، سوف تظل مسألة خلافة المرشد غارقة في المؤامرات والغموض؛ الأمر الذي سيحد من قدرة الدولة على اتخاذ القرارات بشأن القضايا الحاسمة، مثل الاتفاق النووي، وسيزيد من حالة الركود السياسي في البلاد. وكما توحي الاضطرابات الأخيرة، ربما لن تعود الطرق القديمة قادرةً على الصمود أمام الغضب المتزايد بين الإيرانيين.

اقرأ أيضاً: مهسا أميني.. أيقونة انتفاضة جديدة في إيران

وفي ختام مقاله، يشير الكاتب إلى قوة وسرعة وجرأة الاحتجاجات الأخيرة والدعوات غير المسبوقة للإطاحة بالمرشد، والغضب الجامح الذي عبَّر عنه المتظاهرون تجاه المؤسسة الدينية والنظام الديني كله. ويرى أن كل ذلك سيقضي على آمال النخبة الدينية في إجراء مداولات الخلافة خلف أبواب مغلقة كما فعلت في الماضي. فالغضب العارم الآن يركز بشكل مباشر على شرعية خامنئي وشرعية النظام الذي يمثله. ويردد المتظاهرون في مختلف أنحاء إيران عبارات؛ مثل “الموت للخميني” و”يسقط رجال الدين”، بينما تطلق الدولة العميقة العنان مرة أخرى للقوة الغاشمة لقمع الاحتجاجات، وإذا ما توفي خامنئي في خضم هذه الاضطرابات الواسعة؛ فإن التحدي الذي يواجه النظام الديني في إيران يمكن أن يصبح تحدياً وجودياً.

♦نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز تشاتام هاوس.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة