شؤون عربية

أزمة التعليم في تونس تكشف تفاقم حدة الخلاف بين الحكومة واتحاد الشغل

اتهامات متبادلة وتهديدات للسنة الدراسية بـ"البياض"

كيو بوست – وفاء دعاسة

أضحت أزمة التعليم في تونس في السنوات الثلاث الأخيرة “أم الأزمات”، وفاقت تداعياتها لدى كثير من العائلات التونسية آثار تدهور المقدرة الشرائية وكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. ويكاد يكون التوصّل إلى حل لهذه المشكلة “نصرًا”، وربما يعود ذلك لاعتبار التونسي التربية والتعليم سبيلًا أمثل لحياة أفضل.

اقرأ أيضًا: الاتحاد العام للشغل يعود للإضراب بعد فشل “لقاء المجاملة” مع رئيس الحكومة

الاحتدام بين الوزارة والجامعة بلغ ذروته، والتراشق بالاتهامات بين الوزير حاتم بن سالم والكاتب العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي لسعد اليعقوبي أصبح علانية في المنابر الإعلامية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي؛ فالوزارة تتهم الجامعة “بالعنجهية التي وصلت حد الديكتاتورية”، والجامعة ترد على اتهام الوزارة بأنها تسعى إلى إفشال المفاوضات وإبقائها في حدود المربع الأول.

 

أولياء غاضبون

تفاقم الأزمة وفشل المفاوضات الواحدة تلو الأخرى خلق جوًا مشحونًا عند التلاميذ والأولياء الذين قرّروا الخروج إلى الشارع ومطالبة كل الأطراف المسؤولة بالكف عن التناطح ووضع الحسابات الشخصية والاختلافات السياسية جانبًا، والتفكير في مصلحة التلميذ الذي أصبح قوة ضغط من النقابة ضد الوزارة، خصوصًا أن شبح السنة البيضاء أصبح يؤرق الجميع.

انتظمت حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي شعارها “أبناؤنا خط أحمر”، ودعت إلى مسيرة مليونية وسط العاصمة تونس. ودعت تنسيقية “أولياء غاضبون” رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، إلى التدخل الفوري لإنقاذ ما تبقى من مصداقية المدرسة التونسية، وإلى الدخول مجددًا في مفاوضات مع الطرف النقابي على أن يترأس عضو من المكتب التنفيذي، يختاره الأمين العام لاتحاد الشغل، الوفد المفاوض، مع التأكيد على ضرورة “منح هذا المفاوض كل الصلاحيات لإيجاد حلول عاجلة لهذه الأزمة التي راح ضحيتها التلاميذ والأولياء”.

كما دعت تنسيقية “أولياء غاضبون”، في بيان أصدرته، السلطة القضائية إلى الالتزام بالاستقلالية والحياد واحترام المساواة بين الجميع والحزم في تطبيق القانون، مطالبةً رئيس الحكومة ووزير العدل ووزير التربية، بممارسة صلاحياتهم في تطبيق القانون وإثارة التتبعات الضرورية ضد الأساتذة المقاطعين للامتحانات.

من أمام ساحة محمد علي مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، ندّد الأولياء بمقاطعة الامتحانات والتلاعب بمصير أبنائهم، كما طالبوا الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي بالتنحي.

اقرأ أيضًا: التعليم في تونس ساحة أخرى للصراع بين اتحاد الشغل والحكومة

تقول الناشطة في المجتمع المدني السيدة ابتسام (أم لتلميذتين): “للأسف، أصبح الصراع سياسيًا بامتياز، والضحية الأول هو التلميذ، وبعدها الأستاذ الذي نجح لسعد اليعقوبي في إفساد العلاقة بينه وبين الولي”.

وتضيف: “نجد الجميع ضد الوزير بتعلة أنه متكبر ومتعنت، وفي الأصل لا علاقة له بزيادة الأجور بما أنها من اختصاص وزارتي المالية والشؤون الاجتماعية، لكن في الحقيقة المسؤول الأول هو رئيس الحكومة”.

وتتساءل محدثتنا: “هل تتصور كل هذه الفوضى واللعب على أوتار أعصاب التلاميذ السنة الفارطة وهذه السنة… هل هي في صالح التلميذ؟”، مواصلة: “التلميذ كره الدراسة؛ فلا برامج تعليمية ولا جدول أوقات منطقيًا… حجب أعداد.. ومقاطعة الامتحانات… وفي النهاية سيجد نفسه بعد عطلة نصف الثلاثي الثاني أمام ضغط كبير بسبب الدروس المتأخرة والامتحانات المؤجلة… هل فكروا في التلميذ؟ بالطبع لا”.

في السياق ذاته، تقول السيدة هادية: “يؤسفني ما يحاك لمجتمعنا من فتن متعددة ومتنوعة، آخرها الشرخ الذي يتعمق بين الولي والأستاذ… وهي من أخبث الفتن التي أصابت مجتمعنا بعد 2011 لأننا تربينا على أيادي هؤلاء الرجال المحترمين والنساء الفاضلات… في زمننا لم نكن نرى المعلم أو الأستاذ موظفًا يتقاضى راتبًا من أجل تلك الدروس… في زمننا وفي مدننا وأحيائنا الطيبة والجميلة، الأستاذ هو المعلم والمربي كأنه عم أو خال أو شقيق أكبر عندما كانت الروابط الأسرية متينة”.

اقرأ أيضًا: الإضراب الأضخم في تونس: الشارع يُعبّر عن معاناته الاقتصادية بعيدًا عن السياسة

وتواصل: “كنا ولا نزال نعتبر الأستاذ المثل الأعلى… من منا لم يحلم أن يكون معلمًا أو أستاذًا في طفولته؟”، ثم تضيف قائلة إن من مظاهر العبث أن تجبر على أن تختار بين مساندة المربين المطالبين بحقوق هي بلا شك مشروعة وبين أن ترى الأبناء وهم مراهقون يجوبون الشوارع وتحيط بهم مخاطر الإرهاب والمخدرات والمنحرفين من كل الأصناف.

وتعتقد الناشطة بوجود تراخ في مؤسسات الدولة: وزارة ورئاسات ثلاث ومجلس نواب… كما تعتقد “بوجود تشدد لدى النقابة وكأن العالم سينتهي لو تنازلت على بعض البنود إنقاذًا للسنة الدراسية… هذه الحيرة وهذا الحزن يعيشه الأولياء منذ شهرين تقريبًا حتى صار نقمة على هذا الوضع، ولا أقول أبدًا إنه نقمة على الأستاذ… فعائلاتنا وأحياؤنا أغلبها من الأساتذة، لكن نقمتي أنا هي على الاتحاد الذي تجاوز دوره النضالي إلى مكينة دمار للقطاع العام، وهو دور قذر وحرب بالوكالة على هذا المجتمع الذي كان متماسكًا في الأمس القريب”، بحسب ما تقول.

 

المقترحات الجديدة

مشوار المفاوضات بين الوزارة والجانب النقابي لم يتوقف عن البحث عن سبيل لحلحلة المشكلة التي أرهقت الجميع وساهمت بدرجة كبيرة في اللعب على نفسية التلميذ والولي على حد السواء.

وبعد أن تعثّرت عملية التواصل بين الطرفين، كان الاتجاه هذه المرة للجلوس على طاولة التفاوض مع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي ووفد عن الحكومة، ليجري طرح اقتراحات جديدة تهم بالأساس النقطة الخلافية الأولى – التقاعد، وعلى أن يقع اعتماد الأمر عدد 1178، المتعلق بقائمة الأعوان الذين يمارسون وظائف مرهقة، الذي يتيح التقاعد في عمر 55 سنة على قاعدة 35 سنة عمل، أي أن يقع تعميم الإجراءات المتبعة في قطاع التعليم الابتدائي وفي القطاعات المصنّفة كمهن مرهقة، مؤكّدة في السياق ذاته أن هذا المقترح هو أقصى ما تستطيع تقديمه.

أما بخصوص النقطة الثانية – المنح الخصوصية، فقد رفضت الحكومة هذا المطلب، غير أنها اقترحت في المقابل أن يقع الترفيع في المنح المهنية؛ أي المنح التي تسند فقط للأساتذة وتتضمن أساسًا منح العودة المدرسيّة وإصلاح الامتحانات والمراقبة، كما أبدت موافقة لتقوم برفعها لأكثر من الضعف.

ومن المنتظر أن يجري تبليغ هذه المقترحات إلى جامعة الثانوي من طرف أمين عام اتحاد الشغل ليجري تدارسها، ومحاولة إنهاء أزمة الثانوي خلال الأسبوع القادم.

 

الاتحاد ينبّه

ويحمل عدد من المتابعين مسؤولية هبة الأولياء يوم الجمعة الماضي للكاتب العام للتعليم الثانوي، كما حملوه المسؤولية الأولى في انعدام أفق الحل، خصوصًا بعدما أظهر الوزير حاتم بن سالم تضامنه التام مع الأولياء، وأعلن في محطات إعلامية عديدة أنه لن يسمح بانتهاء المسألة إلى “سنة بيضاء” مهما كلفه ذلك، مضيفًا أن هناك تحاملًا على النقابة.

ونبّه المكتب التنفيذي الوطني لاتحاد الشغل، السبت 2 فبراير/شباط، إلى “سعي بعض الأطراف إلى استثمار غيرة الأولياء على أبنائنا لتجييشهم ضدّ الاتحاد العام التونسي للشّغل وضدّ الأساتذة”، معبّرًا عن تفهمه لقلق الأولياء على مصير السنة الدراسية.

اقرأ أيضًا: خطاب حركة “النهضة” الإقصائي يُدخل تونس إلى مرحلة التوتر

كما أدان اتحاد الشغل، في بيان له، الشعارات العدوانية المحرّضة ضدّ النقابيين، الداعية إلى الاعتداء عليهم، محمّلًا السلطات مسؤوليتها في وقف التحريض على العنف والدعوة إلى التباغض. 

ودعت منظمة الشغيلة الجهات التي تقف وراء هذه الأطراف وتموّلها إلى الكف عن ذلك، قائلة إنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذه التهديدات، وستذود على حرمة الاتحاد، وعن كرامة النقابيين بكلّ ما أوتيت من قوّة.

واعتبرت المنظمة أن الحكومة هي المسؤول الرئيس عن تردّي الوضع في التعليم، داعية إياها إلى الإسراع بحلّ الأزمة والكفّ عن استخدام عواطف الأولياء كوسيلة للهروب من المشكلة، وإلى التوقّف عن لعبة دفع الصراع بين الأولياء والمدرّسين والاختباء خلفها.

ورغم تواتر الدعوات إلى إيجاد الحلول السريعة لضمان عودة عاجلة لتلاميذ الثانوي إلى مقاعد الدراسة واسترجاع النسق العادي للدروس، إلا أنه يبدو أن نفق الأزمات في قطاع التعليم في تونس ما يزال متواصلًا بعد أن دعت الجامعة العامة للتعليم الثانوي في لهجة تصعيدية إلى غضب وطني للمدرسات والمدرسين يوم 6 فبراير/شباط 2019، لتلتحق بالركب نقابة التعليم الأساسي التي قرّرت إضرابًا عامًا قطاعيًا يوم 6 مارس/آذار 2019.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة