الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

أزمة الاقتصاد الأردني: هل باتت الطريق مسدودة أمام حل جذري؟

الأردن إلى أين في ظل التحديات الاقتصادية؟

خاص كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

أكثر من نصف مليار دولار هي قيمة العجز في موازنة المملكة الأردنية الهاشمية، خلال النصف الأول من عام 2018، الأمر الذي سيؤدي بلا شك إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي.

وواجهت الاقتصاد الأردني مشاكل كثيرة خلال السنوات القلية الماضية، يأتي على رأسها تزايد الدين العام الخارجي، وارتفاع معدل التضخم، إضافة إلى الغلاء المعيشي، وتزايد حجم البطالة. كل هذه الأمور وغيرها باتت تقف حجر عثرة في وجه اقتصاد البلاد، وتهدد بأزمة اقتصادية غير مسبوقة تجعل إيجاد حل اقتصادي جذري أمرًا صعب المنال.

اقرأ أيضًا: هل تنقذ المساعدات الخليجية الأردن من أزمته الاقتصادية؟

إضافة إلى ذلك، فإنّ الغلاء المعيشي في الأردن ناتج عن إلغاء الإعفاءات الضريبية والرسوم الجمركية عن السلع ورفع الدعم عن الخبز، الأمر الذي أدى إلى رفع متزايد في الأسعار، مع زيادة في ضريبة المبيعات على عدد كبير من السلع الغذائية المصنعة.

وفي خضم هذه الحالة، يمكن التساؤل حول مصير الاقتصاد الأردني في معالجة هذه المشكلات، وحول إمكانية أن تجد النخب السياسية والاقتصادية في الأردن الحلول الجذرية لمعالجة مثل هذه الأزمات، خصوصًا بعد تزايد الدين الداخلي والخارجي، الذي وصل إلى أكثر من 27 مليار دينار أردني.

يرى بعض الخبراء بأنّ حرمان الأردن من استثمار موارده الغنية بالدرجة الأولى، هو الذي تسبب في هذا الاختلال على الميزان التجاري والموازنة العامة للدولة، بالتوازي مع الاعتماد على المساعدات والقروض الأجنبية، الأمر الذي يعطي حلولًا مؤقتة على المستوى القريب، لا حلول جذرية للأزمة الاقتصادية في الأردن.

 

تحد كبير في ظل غياب للمشاريع الكبيرة

يرى المحلل الاقتصادي عبد المهدي القطامين في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ طبيعة الاقتصاد الأردني تعتمد على المعونات والمساعدات الخليجية والغربية، خصوصًا بعد أن أُنهكت الموازنة العامة للدولة، وتعرضت للعجز المالي لسنوات متتالية، الأمر الذي يشكل عقبة حقيقية، تستلزم إيجاد حلول ابتكارية غير مسبوقة.

ويشدد القطامين على أنّ المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم يمكن أن تشكلا حلًا مؤقتًا للمشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الأردني في الوقت الحالي، ليتعافى بعض الشيء من المعضلات الكبيرة التي تواجهه، مشيرًا إلى أنّ مثل هذه المشاريع من الممكن أن تشكل داعمًا مهمًا للاقتصاد الأردني، خصوصًا من حملة الشهادات الجامعية المتوسطة والعليا.

اقرأ أيضًا: احتجاجات الأردن: ما مصير “الفورة”؟ ومدى دقة فرضية “الحصار”؟

وبحسب وزارة المالية الأردنية في بياناتها الحديثة، فقد أسفرت التطورات السابقة عن تسجيل عجز مالي في الموازنة العامة خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2018 قدرت -بعد المنح الخارجية- بحوالي 435.1 مليون دينار، مقابل عجز مالي بلغ حوالي 326.2 مليون دينار خلال الفترة نفسها من عام 2017.

في حين أنّ العجز المالي في الموازنة العامة -قبل المنح الخارجية- وصل إلى حوالي 513 مليون دينار خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2018، مقابل عجز مالي بلغ حوالي 424.7 مليون دينار خلال الفترة نفسها من عام 2017، الأمر الذي سيجعل الاقتصاد الأردني بحسب القطامين، أمام تحد كبير في ظل غياب للمشاريع الكبيرة، وفي ظل استمرارية سياسة الأردن في الخصخصة المستمرة منذ عام 1998، في إطار خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد، إذ تمّ تسريع عملية الخصخصة في السنوات الماضية لتحفيز الاستثمار الخاص في القطاعات الهامة من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لكنّ هذا الأمر بحسب القطامين لم يؤد إلى تحقيق نتائج حقيقية أو حلول جذرية.

 

ضرورة التركيز على المشاريع الاستخراجية

ويرى القطامين بأنّه لا بدّ من التركيز في الوقت الراهن على المشاريع الاستخراجية، خصوصًا فيما يتعلق بمجال الطاقة والنفط، إذ يصل سعر برميل النفط الواحد إلى أكثر من 55 دولارًا.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أنّ هناك ما يتراوح بين 30 إلى 40 مليار طن من الزيت الصخري الجاهز للاستخراج، وهذه الكميات الضخمة سوف تدعم -بحسب القطامين- الاحتياجات في مجال الطاقة، إذ أن هناك ضرورة لاستخراج هذه الكميات الكبيرة من الصخر الزيتي، وبالطرق والمقاييس العالمية، من أجل تحقيق عوائد مهمة على الاقتصاد الأردني.

اقرأ أيضًا: هل سيحسم الأردن علاقته بجماعة الإخوان أسوة بدول المنطقة؟

كما يشيد القطامين بضرورة ضبط النفقات والموازنة الرسمية العامة، والعمل بشكل حقيقي على محاربة الفساد الذي لم يعد مجرد علميات محدودة، بل تحول إلى ظاهرة حقيقية في الأردن، التي يأتي على رأسها إهدار المال العام والمنح الخارجية وإدارة المشاريع والعطاءات. خلال العشر سنوات الأخيرة، كلفت هذه المشاريع البلاد ما يقارب الـ 10 مليارات دينار، إضافة إلى قضايا التهرب الضريبي والرشوة والمحسوبية.

 

المديونية عبء كبير

المديونية الداخلية والخارجية هي الأخرى تشكل عبئًا كبيرًا أمام تقدم الاقتصاد الأردني، وخروجه من سلسلة الأزمات التي يتعرض لها، فقد أكدت وزارة المالية أيضًا في بياناتها الصادرة بأنّ المديونية الداخلية والخارجية بلغت حتى نهاية شهر أيار/مايو 2018 نحو 27751 مليون دينار أردني، أي ما نسبته 95.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 27269.2 مليون دينار (95.9% من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 2017. ويشكل هذا بحد ذاته مؤشرًا خطيرًا للاقتصاد الأردني، بحسب ما يؤكد الخبير، المحلل الاقتصادي الأردني، خالد الزبيدي، في حديثه الخاص مع “كيو بوست”. وأشار الزبيدي إلى أنّ الخلل الأكبر يتمثل في النفقات والموازنات العامة التي هي أكبر من الناتج المحلي الإجمالي ومن الاحتياجات العامة للدولة.

ومن هنا، فإنّ الزبيدي يؤكد على ضرورة ترشيد النفقات العامة للدولة، إذ أنّ هناك تزايدًا دائمًا ومتكررًا لهذه النفقات، التي من شأنها أن تزيد من العجز المالي، وأن تنعكس بالسلب على تطوير الاقتصاد الأردني. ويشدد المحلل الاقتصادي على أنّ تزايد الضرائب والرسوم المفروضة على السلع، وعلى المواطنين، من شأنه أن يعيق حركة النمو الاقتصادي، وأن يحد من القوة الشرائية في السوق، وبالتالي تزايد عمليات تقويض الاقتصاد وارتفاع نسبة البطالة.

اقرأ أيضًا: كيف ستتعامل الأردن مع إعادة فتح معبر نصيب الحدودي؟

ويطالب الزبيدي بأهمية إصدار القرارات والتشريعات التي من شأنها أن تحد من الإنفاق العام في المؤسسات والدوائر الرسمية الأردنية، وأن يتم ضبط هذه الاحتياجات بالقدر اللازم، ووضعها في مكانها الصحيح، لضمان عدم الإسراف في الميزانية المرصودة لكل دائرة ووزارة حكومية.  

ومما يزيد الأمور تعقيدًا أنّ هناك تأكيدات ومؤشرات واضحة بعودة المغتربين الأردنيين من دول الخليج، وذلك بعد سلسلة من الإجراءات الماليّة التي فرضتها كلّ من السعودية والإمارات، واستهدفت العمالة الوافدة؛ إذ عاد ما يقرب من 55 ألف عائلة إلى الأردن حتى هذه اللحظة، فيما يتوقع أن تزيد أعداد هؤلاء، خصوصًا أن السعودية تحتضن وحدها نحو 430 ألف أردني من أصل 945 ألف مغترب، الأمر الذي سيزيد من الأعباء والأزمات المتعلقة بالاقتصاد الأردني.

وسيجد الأردن نفسه أمام معضلة اقتصادية جديدة، ما يجعل اقتصاده على المحكّ، خصوصًا أنّ غالبية الأردنيّين المغتربين ليسوا من طبقة رؤوس الأموال، وليس لديهم القدرة على ضخ مزيد من الأموال لإنشاء المشاريع الكبيرة كالمصانع والشركات، فهم بالدرجة الأولى من الطبقة الوسطى من الموظفين.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة