الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

أزمة اقتصادية تعصف بـ”إخوان المغرب”.. والدولة تطالب باسترداد أموالها

حزب العدالة والتنمية اتخذ من العمل السياسي والتمثيلية الانتخابية وسيلة للاغتناء ومراكمة الأموال على حساب دافعي الضرائب

المغرب- حسن الأشرف

لم تكن العبارات التي أطلقها عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي ذي المرجعية الإسلامية، بقوله قبل أيام “رجعنا إلى الخبز والزيت بعد الكيك والعجائن”، سوى رجع صدى للأزمة المالية الخانقة التي بات يعانيها “الحزب الإخواني” منذ خسارته المدوية في الانتخابات التشريعية للثامن من سبتمبر الماضي.

وخسر “إخوان المغرب” الانتخابات البرلمانية الأخيرة بشكل فاجأ الكثيرين، واحتل المرتبة الثامنة بـ13 مقعداً فقط، بعد أن تصدر انتخابات سنة 2016 بـ125 مقعداً، وهو ما يعني أنه فقد أكثر من 120 برلمانياً دفعة واحدة.

وبهذه الخسارة المدوية، فقد حزب العدالة والتنمية موارد مالية مهمة جعلته يدخل في أزمة مالية غير مسبوقة، باعتبار أن كل نائب برلماني كان يضخ مساهمة مالية في خزينة الحزب، فضلاً عن تراجع دعم الدولة للحزب بالنظر إلى أنه صار دون فريق برلماني.

اقرأ أيضًا: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

مظاهر الأزمة المالية

وتجلَّت مظاهر الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بـ”إخوان المغرب” في عدة مناحٍ تتعلق بتدبير مالية وشؤون الحزب، أولها “عجز” الحزب عن إرجاع مبلغ 8 ملايين درهم مغربي، التي طالبه بها المجلس الأعلى للحساب (وهو مؤسسة دستورية تعنى بالرقابة على صرف وتدبير الأموال العمومية).

ويتعلق المبلغ المذكور بالغلاف المالي الذي منحته الدولة لحزب “إخوان المغرب”، مثل باقي الأحزاب السياسية؛ للتحضير للانتخابات التشريعية، إذ حصل على مبلغ 10 ملايين درهم على أساس عدد الترشيحات التي تقدم بها.

اقرأ أيضًا: استراتيجية الكتائب الإلكترونية لـ”إخوان المغرب”.. نصرة وشيطنة وطاعة

ولأن الحزب المذكور لم يفز سوى بـ13 مقعداً، فإنه بات مطالباً وَفق القوانين المعمول بها بإعادة جزء من المبلغ الذي تم تسبيقه؛ لكن الحزب حتى اليوم لم يرجع المبلغ؛ وهو ما عبَّر عنه بنكيران في تصريح مؤخراً بقوله بالدارجة المغربية: “الفلوس اللي عندنا الآن إذا خلصنا وزارة الداخلية ريـال واحد مايبقاش عندنا” (أي: الأموال التي توجد في خزينة الحزب إذا ما تم إرجاعها إلى وزارة الداخلية، فلن يتبقى لنا درهم واحد).

عبد الإله بنكيران الأمين العام الحالي للحزب- (أ.ف.ب)

والمظهر الثاني لأزمة “إخوان المغرب” يتجلى في الحرمان من مليون درهم شهرياً كان يضخها 112 برلمانياً في الخزينة؛ فقدها الحزب بعد الهزيمة المدوية في الانتخابات.

اقرأ أيضاً: بنكيران زعيم “إخوان المغرب”.. مسارات حافلة من الشعبوية السياسية

وأما المظهر الثالث الرئيسي للأزمة المالية، فيتجسد في قرار قيادة الحزب وقف أشغال بناء مقر ضخم في قلب أرقى أحياء العاصمة الرباط، كان تم البدء فيه قبل الانتخابات التشريعية، وكانت تكلفته تناهز 39 مليون درهم، غير أن تقهقر الموارد المالية جمَّد عملية التشييد إلى وقت غير محدد.

ويتمثل المظهر الرابع للأزمة المالية لـ”إخوان المغرب” في إغلاق عدد من مقرات الحزب في بعض جهات ومناطق البلاد، بالنظر إلى العجز عن أداء تكاليف ومصاريف هذه المقرات، فضلاً عن تسريح موظفين في الموقع الإلكتروني للحزب.

تحولات الحزب

في هذا السياق، يقول عبدالرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي بجامعة القاضي عياض بمراكش: “إن الأزمة المالية الحالية التي يعيشها حزب العدالة والتنمية ما كانت لتؤثر على أدائه بشكل كبير، لو أنه انتبه منذ البداية إلى المطب الذي يمكن أن يدخله فيه التمويل الحكومي والكثرة العددية في البرلمان، لأنه تجاهل أن التمويل قد يكون مؤقتاً، وما كان عليه أن يفرط في مصادره الخاصة من تبرعات والتزامات الأعضاء”.

اقرأ أيضًا: هل تُصلِح عودة بنكيران صورة الإخوان المسلمين المشوهة في المغرب؟

عبدالرحيم العلام

ويردف العلام، ضمن حديث مع “كيوبوست”، أن “حزب العدالة والتنمية لم يكن أثناء انطلاقته يعول على الدعم الحكومي، وإنما كان يدبر ماليته من خلال اشتراكات أعضائه وتبرعاتهم، علماً بأنه لم يكن يحتاج إلى أموال كثيرة لتغطية مصاريفه، على أساس أنه كان لا يراهن على الخدمات المؤدى عنها، وإنما جل العمل كان يسير بطريقة تطوعية”.

ويشرح المحلل ذاته بالقول إن المقرات لم تكن ضرورية بما أن بيوت الأعضاء متوفرة، والمؤتمرات لم تكن تحتاج إلى دعم الدولة؛ لأن الأعضاء كانوا يتنقلون من أموالهم الخاصة، ويتشاركون في مصاريف الإقامة والإيواء، وكان هناك نوع من التضامن، والحملات الانتخابية كانت تباشر من الأعضاء دون حاجة إلى أداء أجور القائمين عليها، وجل أعضاء الحزب كانوا يقومون بواجبهم الحزبي بشكل تطوعي دون انتظار المقابل.

ويتابع العلام بأن تحول هذا الحزب إلى الرهان على الدعم العمومي، أفقده جاهزيته وجعله اليوم يعيش في وضعية مالية صعبة ستؤثر على مردوديته السياسية، بما أنه تراجع عن التنشئة السياسية التطوعية، وانخرط في السياسة بالمقابل، وتحول من حزب يراهن على القواعد الشعبية إلى حزب يحاول بدوره التوغل داخل المؤسسات الحكومية وتوزيع المنافع على المحزبين، وتوظيف العاملين بمقراته وحملاته الانتخابية.

مُني الحزب بهزيمة مدوية

وذهب المتحدث إلى أن هذا الحزب لم يدبر المرحلة السابقة من الناحية المالية بشكل جيد، فهو بدل أن يقوم بالادخار للأيام الصعبة، وإقامة استثمارات تدر عليه مداخيل، شرع في زيادة عدد المقرات وتوسيعها والبحث عن الفخامة بدل الفعالية، وغيرها من أوجه الصرف التي لم تكن ضرورية.

استغلال الدعم الحكومي

 من جهته، قال سعيد لكحل، الباحث المتخصص في حركات الإسلام السياسي: “إن حزب العدالة والتنمية كان من أكثر الأحزاب استفادة من دعم الدولة؛ إذ كان يحصل سنوياً على 3 مليارات سنتيم، وهو مبلغ ضخم مقتطع من جيوب دافعي الضرائب دون أن يقدم خدمات جليلة للشعب المغربي”.

سعيد الكحل

ويضيف لكحل، ضمن تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن “هذا الحزب تسبب في تفقير فئات واسعة من المغاربة، فضلاً عن قراراته الجائرة في حق الموظفين والمتقاعدين وعموم الشعب المغربي”، على حد تعبيره.

وزاد المتحدث بأن “المفروض أن يصرف الدعم الحكومي للأحزاب في مجالات تأهيل المواطنين؛ خصوصاً الشباب، وكذا تأهيل المنتخبين لحسن تدبير الشأن العام، إلا أن حزب العدالة والتنمية اتخذ من العمل السياسي والتمثيلية الانتخابية وسيلة للاغتناء ومراكمة الأموال”.

واعتبر الباحث أن حزب “الإخوان” بالمغرب وظَّف الدعم الحكومي لتفريخ الجمعيات وخلق شبكات الاستقطاب؛ بقصد توسيع قاعدته الانتخابية عبر توزيع “القفة” على الأُسر الفقيرة المستهدفة؛ خصوصاً في المناسبات الدينية مثل رمضان، وعيد الأضحى، وأيضاً المناسبات الانتخابية.

“العدالة والتنمية” فقد شعبيته السياسية

وذهب لكحل إلى أن “العدالة والتنمية” جعل من الدعم الحكومي ريعاً سياسياً وانتخابياً؛ حيث وظَّف جزءاً منه في استقطاب الفئات الفقيرة واستغلالها انتخابياً، أي اتخذه نوعاً من الرشوة الانتخابية وشراء الذمم وإرضاء المعارضين من أعضائه.

واستطرد المتحدث عينه بأن هذا الحزب الإسلامي استثمر الدعم الحكومي في تجنيد ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” لمهاجمة معارضيه من الأحزاب ومسؤولي الدولة الذين لم يخدموا مشروعه الأيديولوجي.

وسجل الباحث أن عشر سنوات من هذا الدعم السخي جعلت أعضاء الحزب القياديين يعيشون الغنى والنعيم اللذين لم يحلموا بهما يوماً؛ لهذا سيجدون صعوبة كبيرة في مواجهة الحاجيات التي خلقوها لدى أعضاء الحزب أو تلبية المطالب التي اعتادوا على تلبيتها طيلة فترة رئاسة الحزب للحكومة.

اقرأ أيضا: تناقض الجناحين السياسي والدعوي للإخوان المسلمين في المغرب بسبب التطبيع!

وأكد لكحل أن قيادة الحزب وعموم الأعضاء لم يتوقعوا السقوط المدوي للحزب في الانتخابات الذي أفقدهم جاه السلطة ونعيم المال العام؛ حتى إنهم سرَّحوا ذبابهم الإلكتروني “وتخلوا عن إنجاز بناء المقر المركزي للحزب، وعادوا، كما قال بنكيران، إلى أكل الخبز والزيت، بعد الكيك والعجائن”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة