الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أزمة أوكرانيا..عندما تصطدم الأوهام الأمريكية بسياسة القوى العظمى

كيوبوست- ترجمات

قالت مجلة فورين أفيرز إنه على مدى ربع القرن الماضي، تعثرت تقريباً كل الجهود الرامية إلى إقامة نظامٍ دائم لمرحلة ما بعد الحرب الباردة في القارة الأورآسيوية وسط المياه الضحلة الأوكرانية. حيث يمكن رؤية التناقض بين أوهام نهاية التاريخ المرتبطة بالنصر، وواقع المنافسة بين القوى العظمى في أبشع صورها.

اقرأ أيضاً: بايدن يتوعد بوتين.. لكن هل يمكنه وقف غزو روسي آخر لأوكرانيا؟

وفي نظرِ أغلب صناع القرار السياسي في أمريكا، مثَّلت أوكرانيا بلداً ناشئاً شجاعاً، على الرغم من عبء التاريخ، انطلق بنجاح على مسار التطور الديمقراطي كجزءٍ من نظام عالمي جديد بعد سقوط جدار برلين.

في الوقت نفسه بالنسبة للكرملين، ظلَّت أوكرانيا جزءاً لا غنى عنه من منطقة نفوذٍ طويلة الأمد، تعمل إلى حد كبير وفقاً لقواعد السلطة القديمة. ويقطع الاختلاف بين هاتين النظرتين شوطاً طويلاً نحو تفسير سبب تلاشي آمال ما بعد الحرب الباردة، وإفساح المجال للصراع وعدم اليقين اللذين يعيشهما العالم اليوم.

مدرعات تابعة لوحدات أسطول البحر الأسود الروسي تتمركز في ميدان أوبوك في شبه جزيرة القرم، 2021-التايم

ولفترةٍ طويلة تجنَّب صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة، وغيرها من البلدان الغربية، التساؤلاتِ الصعبة حول مكانة أوكرانيا في النظام الأورآسيوي ودورها في العلاقة المشحونة بين واشنطن وموسكو.

اقرأ أيضاً: بوتين يكتب: أوكرانيا الحديثة نتاج خالص للحقبة السوفيتية

وعلى الرغم من أن نهاية الحرب الباردة ربما كانت إيذاناً بنهاية منافسة جيوسياسية، فإنها لم تكن علامة على نهاية الجغرافيا السياسية. كما أن تفكك الاتحاد السوفيتي لم يعنِ اختفاء المخاوف والطموحات والقدرات الروسية. وبمجرد أن حصلت على الاستقلال، تحولت أوكرانيا على الفور إلى تهديدٍ مباشر للغرب.

فقد “ولِدَت أوكرانيا كدولة نووية”، حيث ورثت الدولة الجديدة ما يقرب من 1900 رأس نووي، و2500 سلاح نووي تكتيكي. ومن المؤكد أن أوكرانيا كان لديها سيطرة مادية، وليس عملياتية على الأسلحة النووية على أراضيها، حيث إن القوة اللازمة لإطلاقها كانت لا تزال في أيدي موسكو.

جنود أوكرانيون يبنون مخبأً على خط المواجهة في زولوتي، 2021- رويترز

وأضاف التقرير أن أوكرانيا أصبحت على الفور ثالث أكبر قوة نووية في العالم، مع ترسانة أضخم من ترسانة الصين وفرنسا والمملكة المتحدة. ويمكن للأسلحة الاستراتيجية الأوكرانية أن تدمر المدن الأمريكية. لذلك كان تحديد منّ بالضبط سيكون له قيادة الإطلاق، والسيطرة اليومية العملية على الأسلحة، من الأولويات المباشرة لإدارة بوش.

اقرأ أيضاً: ماذا تخطط روسيا لمستقبل بيلاروسيا؟

وفي مؤتمرٍ دولي عُقد في بودابست في ديسمبر 1994، كان من المقرر أن يقوم أكثر من 50 زعيماً بإنشاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. واستغل القادة البريطانيون والروس والأمريكيون الفرصةَ لعرضِ ما أُطلق عليه “مذكرة بودابست” في محاولة لتهدئة المخاوف الأوكرانية.

وكان هدف المذكرة إعادة عملية نزع السلاح النووي إلى مسارها الصحيح، والانتهاء من إزالة الأسلحة النووية من أوكرانيا. وهكذا وجدت أوكرانيا نفسها محاصرة على نحوٍ متزايد وخطير. فقد كانت على حدود إمبراطورية روسية مبتورة تصوغ أحلام العودة من الإذلال الذي لحق بهزيمتها، وكذلك خارج النظام الغربي الذي نشأ بعد الحرب الباردة.

الرئيس الروسي بوريس يلتسين، والأمريكي بيل كلينتون، والأوكراني ليونيد كوتشما، ورئيس الوزراء البريطاني جون ميجور، يوقعون على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، خلال قمة مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا في بودابست، 1994- كييف إندبيندنت

ولم يكن لها مكان أو مسار واضح نحو أحدهما، سواء في المنظمة الأمنية الرئيسة، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والتي تحولت إلى الناتو بدلاً من الشراكة من أجل السلام، أو الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، كافحت أوكرانيا لإرساء الديمقراطية، ومحاربة الفساد، ومشاكلها الداخلية، وتراجعت إلى المنطقة الرمادية، وهو الوضع الذي أصبح دعوة إلى النزعة الوحدوية مع روسيا.

اقرأ أيضاً: ماذا لو عادت دول الاتحاد السوفيتي إلى الوحدة مجدداً؟

وفي نهاية المطاف، كان لنضال أوكرانيا تداعيات تتجاوز حدودها في الواقع، تداعيات على نظام ما بعد الحرب الباردة ذاته. فبعد أن ساعدت واشنطن في نزع السلاح النووي من أوكرانيا، تصورت أنها قادرة إلى حد كبير على التوقف عن القلق بشأن البلاد، معتبرة أن استقلالها أصبح حقيقة واقعة.

والواقع أن موسكو لم تقبل قط بهذا الاستقلال، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها لا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها عنصراً رئيساً في إمبراطوريتها السابقة فحسب، بل أيضاً باعتبارها القلب التاريخي والعرقي لروسيا الحديثة، والتي لا يمكن فصلها عن جسد الدولة ككل.

الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، خلال جلسة في مؤتمر قمة الناتو في بوخارست، حيث وافق حلفاء الناتو على تأجيل خطة وضع أوكرانيا وجورجيا على المسار الصحيح للانضمام إلى التحالف، 2008- أرشيفية

ويظهر تصور واشنطن الخاطئ مرة أخرى، بشكلٍ واضح، عندما أصبح عميلٌ سابق في المخابرات السوفيتية يُدعى فلاديمير بوتين فجأة رئيساً بالنيابة لروسيا في 31 ديسمبر 1999. وفي أعقاب ما بدا أنه صفقة سرية، أعلن يلتسين بشكلٍ مفاجئ في عشية رأس السنة أنه سيستقيل، وأن بوتين هو منّ سيتولى السلطة، اعتباراً من الآن.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد بوتين من أوكرانيا؟ روسيا تسعى لوقف توسع الناتو

وبضربة واحدة، أصبحت البيئة الاستراتيجية أقل تساهلاً مع الجهود التي تبذلها أوكرانيا لتأكيد استقلالها. وعلى النقيض من يلتسين، بذل بوتين جهوداً منسقة لإعادة تأكيد النفوذ الروسي في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي، أولاً من خلال الوسائل السياسية والاقتصادية، ثم باستخدام القوة العسكرية.

بيد أن صناع القرار السياسي في الغرب تشبثوا باعتقادٍ مفاده أن بوتين قد تم تنصيبه لمواصلة المسار المحلي والدولي الذي أسسه يلتسين. ولم يتضح الخلل في هذا التفكير على الفور، حيث بدا بوتين في مستهل الأمر على استعداد للتعاون مع الغرب، وخاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، 2019- رويترز

لكن بوتين لم ينظر إلى هذا التعاون باعتباره انعكاساً للمصالح المشتركة، بل باعتباره تنازلاً لابد وأن يُكسب موسكو تنازلاتٍ من الغرب في المقابل. ورفضت واشنطن أن تفعل ما توقعه الكرملين في مقابل دعمه للغزو الأمريكي لأفغانستان، وتحديداً السماح له بحرية التحرك في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

وبدلاً من ذلك، حافظت الولايات المتحدة على دعمها لسيادة جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي، ورفضت الاعتراف بما اعتبره بوتين حق روسيا في الهيمنة على إمبراطوريتها السابقة. وتفاقمت المشكلات عندما أدى توسع كل من الناتو والاتحاد الأوروبي، في أوروبا الشرقية، إلى وضع نهاية لشهر العسل قصير الأمد بين بوتين والرئيس الأمريكي بوش.

اقرأ أيضاً: رؤية بوتين للنظام العالمي في اجتماع نادي فالداي للحوار الروسي

ففي مارس 2004، قبلت منظمة حلف شمال الأطلسي في صفوفها دول البلطيق الثلاث -إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا – التي كانت ذاتَ يومٍ جزءاً من الاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى 4 دول أخرى. وفي عام 2014، وبعد عشرين عاماً من توقيع مذكرة بودابست، اندلعت أعمال عنف مرة أخرى عندما حاولت كييف، بعد أن تحطمت طموحاتها في حلف شمال الأطلسي، تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، من خلال التفاوض على اتفاقية تجارية.

الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ يتحدث إلى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، 2021- موقع الناتو

غير أن هذه الجهود المتجددة من جانب أوكرانيا لتأكيد استقلالها أثارت غضب بوتين. كما سعَت روسيا للحفاظ على مجال النفوذ في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي من خلال وقف توسع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي على الحدود الغربية لأوكرانيا، وفقاً للمجلة.

اقرأ أيضاً: الأزمة الأوكرانية مرتبطة ببنية الأمن الأوروبي

وشنت روسيا حرباً هجينة في منطقة دونباس شرق أوكرانيا. وكان هدف موسكو هو جعل “الفيدرالية” أمراً ضرورياً لأوكرانيا، حيث تأخذ كل مقاطعة من مقاطعاتها القرار في قضايا السياسة الخارجية بشكل منفرد؛ لأن ذلك من شأنه أن يضع نهاية لتطلعات أوكرانيا الموالية للغرب.

وقد قاومت أوكرانيا بكل الوسائل المتاحة لها، بما في ذلك مساعدة كتائب المتطوعين، وقواتها المسلحة القائمة، التي أعيد بناؤها بسرعة بعد سنواتٍ من الإهمال. ونتيجة لذلك، حولت روسيا حربها الهجينة إلى حربٍ تقليدية من خلال إرسال وحدات نظامية إلى المعركة.

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، وأعضاء آخرون في مجلس الأمن، خلال جلسة مناقشة الوضع بين روسيا وأوكرانيا، 2022- بوليتيكو

فيما تدخل القادة الأوروبيون للتفاوض على اتفاقيات مينسك في سبتمبر 2014 وفبراير 2015، وبالتالي توفير إطار للحوار على أقل تقدير. إلا أن القتال لا يزال مستمراً، وقد أودى بحياة ما يقرب من 13 ألف شخص، بمن فيهم جنود وأفراد من وحدات شبه عسكرية ومدنيين.

وتحول الملايين إلى لاجئين، وهناك نحو 4 ملايين شخص عالقون الآن في جمهوريات انفصالية غير معترف بها، تمولها وتدعمها روسيا عسكرياً وسياسياً، لكنها بالكاد تحيا اقتصادياً.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن احتواء “روسيا بوتين”؟

وخلص التقرير إلى أن ترك قضايا أمن أوكرانيا ومكانتها في النظام الدولي الجديد دون حلٍّ لعقودٍ من الزمن كان سبباً في تحويل البلاد إلى ساحة خطرة. حيث أصبحت مساحة تتعارض فيها مصالح القوى العظمى. كما أصبحت مكاناً يتوافر فيه المال الذي يمكن أن يكسبه مستشارون خارجيون، يقدِّمون المشورة للسكان المحليين حول أفضل السبل للتغلب على خصومهم.

سيرجي بلوخي: أستاذ التاريخ الأوكراني، ومدير معهد الأبحاث الأوكراني بجامعة هارفارد.

ماري إليز ساروت: أستاذة متميزة في الدراسات التاريخية بجامعة جونز هوبكنز.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة