الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“أريكة في تونس”.. فيلم يحاكي الواقع التونسي بعد الثورة

كيوبوست

بعد حصولها على التدريب اللازم في فرنسا، تفتتح سلمى، 35 سنة، عيادتها للتحليل النفسي في إحدى ضواحي تونس الشعبية في أعقاب ثورة الياسمين 2011، في بلد يعيش حالة من الفصام مع الواقع تبين أن الحاجة تزداد إلى هذا النوع من الطب.

لكن بين مَن يعتبر فرويد بلحيته الرثة كأحد أفراد الإخوان المسلمين، ومَن يخلط بين الجلسات المدفوعة للطب النفسي و”الخدمات المدفوعة” للحصول على الجنس، كانت البداية جد صعبة بالنسبة إلى سلمى، وحافلة بالأحداث الكوميدية حينًا والتراجيدية حينًا آخر.

اقرأ أيضًا: فيلم 1917 .. سباق مع الزمن

ورغم الصعوبات التي واجهتها؛ فإن سلمى تمكنت من العثور على هويتها المهنية داخل هذا المجتمع المعقد، لكنها تكتشف أنها تفتقد عنصرًا مهمًّا جدًّا لممارسة عملها بحرية، ألا وهو الإذن الرسمي لممارسة المهنة.

مشهد من الفيلم

فرويد والإخوان

تتحدث سلمى مع عمها عن صورة رجل مسن ملتحٍ يعتمر طربوشًا أحمر، للوهلة الأولى يراه العم رجلًا مسلمًا أو ربما أحد رموز الإخوان المسلمين. في الواقع إنه رجل يهودي توفي منذ زمن طويل، وتعتبره سلمى معلمًا ومرشدًا لها؛ هذا الرجل ليس سوى سيغموند فرويد، الطبيب النمساوي الأشهر في علم التحليل العصبي. هذه المفارقة لخَّصت معاناة سلمى التي تركت باريس مؤخرًا وعادت إلى تونس لفتح عيادتها الخاصة، في بلد يعتبر معظم سكانه أنهم محصنون ضد أية معاناة نفسية.

كثيرًا ما نرى في سينما الجيلَين الثاني والثالث من الفرنسيين ذوي الأصول المهاجرة تلك العلاقات المضطربة بين الوطن “الأم” والوطن “الجديد”، وغالبًا ما ترتبط إشكالية تلك الأفلام  بقضايا الضواحي والتمييز والفقر.

اقرأ أيضًا: في “Angel Has Fallen” روسيا بريئة من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي

هذه المرة تتخذ ثيمة فيلم “أريكة في تونس” أسلوبًا معاكسًا؛ حيث نظرة التونسيين إلى امرأة شابة تقرر المجيء والعيش في بلد والدَيها.. لا يفهم السكان بدايةً ما يدفع فتاة كسلمى إلى مغادرة باريس؛ حيث الحرية الجنسية والاجتماعية متاحة بالكامل، لتعود للعيش في مجتمع لا يزال يعيش كل تلك التعقيدات.

ما يثير الضحك خلال مشاهد الفيلم هو ردة فعل المراجعين الذي يقصدون عيادة سلمى؛ فمعظمهم تتملكه ثقة عجيبة ومواقف دفاعية حيال عدم إصابته باكتئاب أو مرض نفسي، يمكن تفهم هذه الثقة في مجتمع يعتبر الطبيب أو العلاج النفسي خاصًّا بالمجانين فقط. تتسارع الحبكة الروائية للفيلم برشاقة مع عديد من المشاهد التي تتراوح بين الحزن والفرح؛ حتى تنتقل سلمى من مرحلة عدم ثقة الناس بها إلى مرحلة الدعم الكامل.

مشهد من الفيلم

ثورة ناقصة

يُسلط الفيلم الضوء أيضًا على البيروقراطية التي تصيب مؤسسات الإدارة في العالم الثالث؛ حيث اقتربت سلمى من خسارة حلمها بسبب التعقيدات الإدارية التي ترتبط أيضًا بالموروث الديني من جهة، والثقافي من جهة ثانية، كما حدث مثلًا عندما واجهها ضابط الشرطة بشكوى موجهة إليها؛ لأنها تستخدم كلمة “جنس” أو “Sex” مع مراجعيها.. في الواقع كانت سلمى مهددة بالفعل بإغلاق عيادتها؛ لأنها عجزت عن الحصول على إذن من وزارة الصحة.

اقرأ أيضًا: طفيليات العصر الحديث.. Parasite

المخرجة منال العبيدي، التي أنجزت فيلمها الروائي الأول وحصدت جائزة الجمهور في مهرجان فينيسيا السينمائي، تعرف كلتا الثقافتَين جيدًا؛ يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة أن فيلمها الروائي التالي سيتناول نقد المجتمع الفرنسي، من خلال عيون مهاجرة؛ لأنها تتفوق في هذه الكوميديا ​​الساخرة تمامًا. تقول في لقاء متلفز لها مؤخرًا: “إن الثورة في تونس قد حررت عقول الناس سياسيًّا؛ لكنها لم تنجح في تحريرها ثقافيًّا، الناس في تونس اليوم يتكلمون في السياسة بكل ثقة وحرية؛ لكن الأمر ليس مشابهًا عندما نتناول شأنًا يمس الموروث الثقافي أو العقائدي للمجتمع”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة