الواجهة الرئيسيةمقالات

أريد بنتي حية!

ما الذي ينقص المشهد لكي يكون حيًّا ولكي تشعر الأم فعلًا بالفرح لا الألم؟ ما ينقصه هو ذلك الشيء الذي سعى إليه البشر منذ آلاف السنين: إكسير الحياة.. إنه ذلك الذي جعل اليمامة بنت كليب ترفض الصلح قائلةً: أريد أبي حيًّا

كيوبوست – شايع الوقيان

في مقطع مصور، قام فريق من كوريا الجنوبية بابتكار واقع افتراضي تظهر فيه امرأة تُدعى جانغ جي سون، وهي تلتقي ابنتها الصغيرة نايان التي توفيت قبل زمن قريب. المقطع عُرض في ٦ فبراير ٢٠٢٠.

المشهد كان مؤلمًا جدًّا للأم وفريق التصوير والمشاهدين. وهذه المشاعر السلبية الطاغية تجعلنا نتساءل عن الجدوى من القيام بتجربة كهذه!

هل كان لقاء الأم بابنتها حقيقيًّا؟ ستكون الإجابة في العادة: لا، بل افتراضي. لكن ألم تكن مشاعر الأم ودموعها حقيقية؟ بلى. سنجيب حتمًا.

اللقاء أو التواصل بين البشر إما أن يكون وجهًا لوجه وإما عبر وسائط التقنية المعروفة؛ ولكن التجربة الكورية جمعت بين الطريقتَين نوعًا ما.

كان أصعب لحظة في المشهد، كما أعتقد، هو عدم قدرة الأم على “لمس” ابنتها واحتضانها. فالمشهد يشبع حاستَي السمع والبصر؛ لكن حاسة اللمس شرط ضروري جدًّا لكي يكون اللقاء حيًّا. ولا ننسى حاسة الشم. الأمهات والآباء لا يكتفون باحتضان أولادهم وبناتهم بل يشمونهم؛ خصوصًا شعر الرأس.

لقطة للأم وهي تحاول احتضان ابنتها

لو طوَّر الفريق تجربته بحيث تشبع حاستَي اللمس والشم، هل سيكون اللقاء حيًّا؟ هل سيخف ألم الأم؟ ربما. لكن المشهد سيظل “افتراضيًّا” ما دامت الفتاة تتصرف بشكل غير عفوي؛ أي تتصرف فقط تبعًا للمدخلات التي قام بها الفريق بناءً على معطيات سابقة (فيديو منزلي في الغالب).

ما الذي ينقص المشهد لكي يكون حيًّا ولكي تشعر الأم فعلًا بالفرح لا الألم؟

ما ينقصه هو ذلك الشيء الذي سعى إليه البشر منذ آلاف السنين: إكسير الحياة. إنه ذلك الذي جعل اليمامة بنت كليب ترفض الصلح قائلةً: أريد أبي حيًّا.

اقرأ أيضًا: هل سيصل العلم إلى إعادة الحياة للأموات عبر التجميد العميق؟

هل ستكون التكنولوجيا قادرةً في المستقبل على فعل ذلك؟ هل تقنيات الهندسة الوراثية والاستنساخ مثلًا قادرة على استعادة مَن يموت؟ ولو حدث ذلك فعلًا، واستعاد الفريق الفتاة نايان، هل ستكون هي ذاتها نايان التي ماتت؟ أم نسخة منها؟

الإنسان كائن متناهٍ؛ أي هو وجود نحو الموت، كما يعبر مارتن هايدجر. وهذه الصفة تجعله إنسانًا واعيًا مهتمًّا بوجوده، ويسميه (دازاين). ولا يمكن أن يُستبدل بالوجود الشخصي وجود مماثل عبر الاستنساخ أو تقنيات الـ(VR) أو الواقع الافتراضي.

مارتن هايدجر

مع بدايات الثورة التكنولوجية التي ساعدت في اختراع شتى أنواع الأسلحة الفتاكة، ظهر فريق من المفكرين والفلاسفة المنددين بالتكنولوجيا؛ خصوصًا مفكري مدرسة فرانكفورت، مثل: أدورنو وهوركهايمر وماركوزه، ونحتوا مصطلحًا صار اليوم شائعًا في الفلسفة والدراسات الثقافية؛ هو: “العقلانية الأداتية” (instrumental rationality). ويرون أن تطور العلم والصناعة والتقنية في الغرب أفضى إلى حربَين كونيتَين مدمرتَين وإلى التسلح النووي بسبب طبيعة الفكر العقلاني السائد؛ وهو فكر عقلاني أداتي (تكنولوجي) يرمي إلى السيطرة على كل شيء. كانت بداية هذه العقلانية منصبة على السيطرة على الطبيعة فقط، وقال فرانسيس بيكون: المعرفة قوة. وصار الهدف ليس “فهم” الكون؛ بل السيطرة عليه واستغلاله لمزيد من الربح والظفر. ولكن هذا النمط الأداتي امتد حتى شمل الإنسان، وصار هدفه السيطرة على الإنسان سلوكيًّا وسيكيولوجيًّا وجينيًّا.

لكنَّ فيلسوفًا من فلاسفة فرانكفورت المتأخرين، وهو يورجن هابرماس، ذكر أن ثمة نوعَين آخرَين من العقلانية: العقلانية َالتواصلية وتهدف ليس إلى السيطرة بل الفهم والتفاهم ونشر السلم بين البشر، والعقلانيةَ النقدية وتبتغي تحرير الوعي الإنساني من زيف الأيديولوجيات وسعار العصر الاستهلاكي. في العقلانية التواصلية يشترط هابرماس تحقق الصدق ورفض الزيف والتحرر من الخوف ليكون الحوار صحيحًا.

يورجن هابرماس

بالعودة إلى مشهد الأم الكورية، هل يمكن للتكنولوجيا هاهنا أن تكون غير أداتية؟ في الحقيقة أنها غير قادرة على ذلك، فهي بطبيعتها تعمل بشكل آلي ونسقي: مدخلات، معالجة، مخرجات، وكل شيء “مضبوط” و”مقرر سلفًا”. لكن في العقلانية التواصلية يحدث اللقاء الحي الحقيقي؛ إذ ينفتح فضاء حر وعفوي بين الأم وابنتها، وهذا الانفتاح يجعل ظهور الفتاة بوصفها “دازاين” أمرًا ممكنًا.

إن الفتاة لم تظهر في المشهد، وما ظهر ليس سوى “الأداة” التي تسمح بضرب من التواصل ذي البعد الواحد. فتقنية الواقع الافتراضي أو تقنيات الهولوجرام هي أشبه بجهاز فيديو أو تسجيل يسمح لشخص ما بأن يحتفظ بصوته أو صورته. والفتاة الافتراضية في ذلك المشهد هي أداة وليست “دازاين”؛ إنها أشبه بجهاز تسجيل أو فيديو. وهذا سبب تراجيدية المشهد؛ إذ لم يحدث لقاء من الأساس. وأي لقاء أو حوار ذي بُعد واحد (في حالتنا، الحوار يمتد من الأم إلى البنت ولكنه لا يعود من البنت إلى الأم) ليس أصيلًا ولا حقيقيًّا.

اللقاءات ذات البُعد الواحد هي ما تستطيع التقنية توفيره. فلا يكفي حضور الجسد ولا ظلاله. ففي حالات الغيبوبة التامة لا يمكن وصف لقاء الأقارب بالمريض على أنه لقاء حقيقي. فالجسد حاضر؛ لكن الوعي غائب. والوعي ليس مخزنًا للمعلومات والبيانات؛ بل هو تلقائية الوجود البشري، وهو ما يسمح بتفرد كل شخص. لكن لنتصور أن رجلًا يتواصل مع أخيه عبر تطبيق “سكايب” مثلًا، فالوعي حاضر هاهنا، والحوار متبادل (ذو بُعدَين)؛ ولكن الجسد غائب، فالموجود فقط صورة الجسد. اللقاء هنا أقرب إلى اللقاء الحقيقي من استعادة شخص ميت. مع ذلك فثمة ما ينقص اللقاء: اللمس والشم. ولو حدث تطور تقني يسمح باللمس والشم فإنه إما أن يكون خاضعًا لآليات الضبط والمعالجة وإما أن يكون عفويًّا، وفي الحالة الأخيرة فإن التقنية هنا تصبح أفقًا أصيلًا للقاء. فهل يحدث هذا؟

مشهد من فيلم “Black Mirror”

كل ما يمكن للتقنية أن تقوم به هو خلق ظروف مشابهة للظروف الواقعية، وإعطاء “وهم” اللقاء. وكلمة “وهم” لا تعني أنه كاذب بل أنه غير واقعي.

لكي نتخلص من هذا الوهم نحتاج إلى وهم آخر: لنفترض الآن أن التقنية تطورت بشكل أدق؛ بحيث إن صديقي المسافر بعيدًا موجود معي الآن في المقهى، ونتحادث معًا بشكل عفوي، ولنفترض أن اللمس ممكنٌ (بشكل افتراضي)؛ بحيث ألمس صديقي فأشعر بضغط على يدي، ولكنه ليس بالفعل جسده بل جسد إلكتروني (غير مادي) يعطيني الإحساسَ باللمس. اللقاء هنا قريب جدًّا من اللقاء الفعلي (وجهًا لوجه). لكنني أعرف في نهاية المطاف أنه “وهم” وأن صديقي ليس فعلًا هاهنا. الآن لنفترض أنني لا أدري، وأنني لا أعرف أن صديقي مسافر وأني أعتقد جازمًا أنه أمامي فعليًّا.. فهل “وهمي الخاص” سيلغي “وهمية اللقاء الافتراضي”؟ بالتأكيد. وسوف أشعر بأن اللقاء حقيقي وحي. ولكن هل شعوري وحده كافٍ؟ ربما. لكن صديقي (شريكي في اللقاء) لا يزال يعرف أنه وهم. فلنفترض أخيرًا أن صديقي مخدوع مثلي ويظن أنني معه فعليًّا، فهل يكون الوهم المتبادل أفقًا للقاء الحي؟ في هذه الحالة، أعتقد أن التقنية ستكون فضاءً حيًّا، ومع ذلك افتراضي لا واقعي؛ فـ”الحياة” هي وهم الحياة. هل هذه مبالغة؟ لا، وحسبنا أن نتذكر أطروحة موت الواقع عند بودريار لمعرفة مدى تغلغل التقنية في حياتنا. فهو يرى أننا خاضعون لتقنيات التواصل والتلفزة، وهي بطبيعتها لا يمكن أن “تمثل” الواقع كله، بل أجزاء منه. فالكاميرة تصور ما يريده منها المصورُ، ويتم تقديم الصورة على أنها “تمثل” الواقع، وهي في الحقيقة لا تمثل سوى إرادة المصور. ومن ثَمَّ فالواقع في عصر العولمة لم يعد موجودًا، وكل ما هو موجود هو واقع افتراضي أو كما يسميه بودريار: واقع فائق (Hyperreality).

شاهد: التكنولوجيا تصلي نيابة عنك!

التجربة الكورية مثالٌ على “الوهم” التكنولوجي، والوهم قد يكون دواءً (كما في التحليل النفسي مثلًا)؛ ولكن المشهد لم يكن ممتعًا بل كان مؤلمًا. لماذا قبلت الأم الانخراطَ في التجربة رغم أنها تعلم في قرارة نفسها أنها مؤلمة؟ لعله الشوق الجارف، والأمل: الأمل في لقاء أخير. والأمل يجعلنا نطارد السراب ونلاحق الأوهام. وهذا يحدث لكل شخص يجد نفسه في موقف حدي؛ فالمريض حتى ولو كان متنورًا يطلب العلاج حتى عند الدجالين وبائعي الوهم.

لن يرتفع الوهمُ التكنولوجي إلا عندما تعود نايان إلى الحياة مرة أخرى، بكينونتها المتفردة التي لا توجد منها نسخة أخرى.

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة