الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أرمني نجا من الإبادة التركية فحوَّل القدس إلى قطعة فنية

"وليمة الرماد.. حياة وفن ديفيد أوهانسيان".. عنوان كتاب ألَّفته حفيدته عازفة الناي الأمريكية الأرمنية ساتو موغاليان.. حيث تروي كيف ترك جدها الحِرفي الذي لجأ إلى المدينة المقدسة مع أسرته بصمة فنية لا يمحوها الزمن

كيوبوست

ديفيد أوهانسيان، الرجل الذي غيَّر وجه القدس؛ إذ وصل إليها كلاجئ في ديسمبر عام 1918، بعد أن نجا من الموت المحتم إبان الإبادة الجماعية للأرمن على يد الأتراك العثمانيين.

فبعد أن اجتاحت تركيا موجات من القومية في مطلع القرن الماضي، كان الأرمن ضحية من ضحايا تلك النزعة، واتهموا بالخيانة والتعاون مع الروس؛ فبدأ العثمانيون، آنذاك، في شن مجزرة تعد الأبشع في التاريخ الحديث، وحظيت مؤخرًا باعتراف الكونجرس الأمريكي.

نجا حينها أوهانسيان وعائلته الصغيرة من مسيرات الموت التي تسببت فيها تركيا بعد طرد أفواج منهم؛ حيث مات كثيرون جوعًا وعطشًا وهم في طريق البحث عن ملاذ آمن، لكن هؤلاء يبقون أكثر حظًّا من غيرهم ممن كان مصيرهم الموت قتلًا أو حرقًا.

تمكَّن هذا الحِرفي من الوصول إلى القدس بأمان بفضل مسؤولي الانتداب البريطاني، كان أوهانسيان يُقيم مع زوجته وأطفالهما في غرفة صغيرة يضمها دير الأرمن الموجود في البلدة القديمة؛ مثل آلاف من العائلات اللاجئة التي تم جلبها إلى الحي الأرمني، فإنهم كانوا يرتدون ملابس تبرَّعت بها الجمعيات الخيرية ويعيشون على الطعام الذي توفره لهم.

اقرأ أيضًا: مواطنون أرمن لـ”كيوبوست”: قرار “الكونجرس” تاريخي انتظرناه طويلًا

مدرسة فنية

كانت بدايات هذا الرجل مع فن السيراميك في الأناضول التركية، التي عاش فيها جل سنوات حياته. تعلَّم أوهانسيان، لأول مرة، فن السيراميك عندما كان متدربًا في كوتاهيا، المنطقة التي كانت، آنذاك، تشكِّل قلب هذا الفن التقليدي في تركيا العثمانية.

تقول حفيدته في كتابها “وليمة الرماد.. حياة وفن ديفيد أوهانسيان”: “اعتاد الناس الجلوس إلى جانب أساتذة هذا الفن الكبار في ورش الخزف والسيراميك التقليدي، وبدؤوا يتشربون سر الصنعة منهم، بدءًا من خلط الطين وتصفيته، ثم إعادة تشكيله وطلائه باستخدام الورنيش، وصولًا إلى عملية وضعه في الأفران الخاصة وضبط درجة حرارتها يدويًّا، قبل اختراع تلك الأفران التي تحتوي على مقياس للحرارة”.

مدرسة الخزف الأرمني

أصبح أوهانسيان بعد ذلك أستاذًا في تقاليد الخزف في مقاطعة كوتاهيا، وأسَّس هناك إحدى ورش العمل الثلاث في المدينة، وخلال حياته المهنية التي قضاها هناك قام بتزيين المباني فيها وفي القسطنطينية والقاهرة وقونية، كما قام بتجديد بلاط المساجد والمقابر المهمة في بورصة والقسطنطينية ودمشق ومكة، واكتسب شهرة في مجال الترميم التاريخي؛ حيث وصلت أعماله إلى إنجلترا وفرنسا، وفاز بالميدالية الذهبية في معرض بورصة التجاري لعام 1910، فضلًا عن جوائز دولية أخرى.

اقرأ أيضًا: تركيا متهمة بترحيل اللاجئين السوريين قسريًّا إلى بلادهم

لقاء الصدفة

لكن كيف ساعد مسؤولو الانتداب البريطاني أوهانسيان في المجيء إلى القدس؟ ولماذا؟ نجد القصة كاملة في هذا الكتاب؛ حيث جمع لقاء الصدفة بين هذا الحِرفي ودبلوماسي بريطاني شاب متحمس للشرق يُدعى مارك سايكس، وصل مبعوثًا عن الحكومة البريطانية إلى إسطنبول في عام 1911؛ لكنه قام بجولة في كوتاهيا، بحثًا عن محترف في أعمال السيراميك، وهو من سيخطو بأوهانسيان أولى خطواته على درب العالمية.

لقد تم تدمير منزل عائلة سايكس في يوركشاير البريطانية، حينها، في أثناء الحرب، والذي سيصبح في ما بعد خبيرًا بريطانيًّا في قضية الشرق الأوسط ومؤلفًا مشاركًا في اتفاقيات سايكس- بيكو التي رسمت الحدود وأنشأت الدول الوطنية الحديثة على ما خلفته الدولة العثمانية.

أراد هذا الدبلوماسي أن تحتوي أعمال التجديد التي يشهدها المنزل على غرفة ذات طراز شرقي مطعمة بالسيراميك؛ حيث أوكلت هذه المهمة إلى أوهانسيان، وتم تصنيع كميات من السيراميك المزخرف في كوتاهيا، ونقلت إلى بريطانيا عام 1914.

كان رونالد ستورز، الصديق المقرب من مارك سايكس، أحد نبلاء الطبقة البريطانية الذين زاروا هذا البيت بعد أعمال التجديد؛ حيث كان سيصبح حاكمًا عسكريًّا للقدس في عام 1918، وهناك أسَّس جمعية القدس التي كان هدفها إعادة بناء وتجميل المدينة باستخدام الحِرف التقليدية.

أعمال أوهانسيان في القدس

كتب السير وليام أورمسبي غور، أحد المسؤولين البريطانيين، آنذاك: “لقد عثر السير مارك سايكس، على أرمني أنشأ له في منزله غرفة مزخرفة بالسيراميك الشرقي، مستوحاة من روح دمشق القديمة وبطريقة ناجحة للغاية، إذا لم يتم قتل هذا الشخص خلال مجازر الأرمن فبإمكانه توفير السيراميك اللازم لتجديد قبة الصخرة”.

ويا للأعجوبة؛ فقد عاد أوهانسيان ليلتقي سايكس في دمشق عام 1918! بعد أن تمكن من الهرب من تركيا، وروى له كل ما شهده من مجازر بحق الأرمن هناك.

بعد ذلك بعامَين، أسَّس دافيد أوهانسيان ورشة عمل ومدرسة للسيراميك في أحد الشوارع الصغيرة المطلة على قبة الصخرة، وخلال عقد من الزمان فقط بدأ السيراميك الأرمني في تغيير وجه المدينة، وأصبحت شوارع القدس ومبانيها وأشهر مواقعها التاريخية مزينةً بهذا السيراميك الملون الذي بات يشكل سمة من السمات المميزة للقدس.

في عام 1948، هاجر أوهانسيان من القدس كما هاجر عديد من العائلات الفلسطينية إبان قيام دولة إسرائيل، ووصل مع عائلته إلى القاهرة أولًا، ثم انتقل إلى العاصمة اللبنانية بيروت.

والدة الحفيدة موغاليان مؤلفة الكتاب، هي ابنة أوهانسيان المولودة في القدس؛ ولكنها غادرت المدينة في سن العشرين مع والدها. تتحدَّث الحفيدة في كتابها قائلةً: “جئت إلى القدس لأرى المدينة التي ولدت فيها أُمي والتي زيَّنها جدي بفنه الجميل، عند هجرة العائلة الثانية من القدس فقدنا روابط الاتصال ولم نتمكن قط من التجمع من جديد”.

في وقت وفاته في بيروت عام 1953، كانت أعمال أوهانسيان موجودة في مبانٍ عدة حول العالم في تركيا ولبنان والسعودية وبريطانيا وفرنسا، وحتى في هوليوود؛ حيث فاز بعقد لإنشاء نافورة مزينة بالسيراميك والخزف المشرقي لمنزل أحد نجوم السينما هناك.

تقول الحفيدة: “عندما يموت آباؤنا وأجدادنا، يخبرك الناس أنهم سيظلون دائمًا معك، لكنني لم أدرك مطلقًا مدى صحة ذلك إلا اليوم”.

صورة الكتاب- “أمازون”

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات