الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

أرض تنبت الأولياء

الحركة الصوفية في المغرب العربي

كيوبوست

قال باحث غربي: “إذا كانت بلاد المشرق هي بلاد الرسل والأنبياء، فإن بلاد المغرب هي أرض الصالحين والأولياء”. وقال الفقيه والمؤرخ المغربي عبد الله كنون: “المغرب أرض تنبت الأولياء كما تنبت الأرض الكلأ”، وقال آخرون مثل هذا الكلام نظرًا لكثرة الزوايا والرباطات والأضرحة والمشاهد والمزارات، بمختلف المدن المغربية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، حتى اشتهرت هذه الأرض بـ”بلد الألف ولي وولي”.

زوايا وطرق صوفية تجاوزت الروحانيات، لتلعب أدوارًا اجتماعية، وسياسية، وسيكولوجية في حياة الإنسان المغربي قديمًا وحديثًا، بل أصبح إشعاع بعضها عابرًا للحدود ومفتوحًا في وجه المسافرين إلى الله بلا متاع، في مصر كما في أوروبا وأمريكا وغرب إفريقيا.

اقرأ أيضًا: الصوفية في الأردن: مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

ما التصوف؟ وما الزواية؟

من الصعب وضع تعريف دقيق للتصوف، نظرًا لتطور دلالته من مرحلة تاريخية إلى أخرى؛ فهناك من يرى أنه مشتق من الصوف، رداء الأنبياء في فترات تقشفهم، بينما نجد من أرجع الأصل الاشتقاقي للكلمة إلى “الصفا”، لما يؤدي إليه من صفاء النفس عن كدر المحسوسات، ويؤهلها للترقي في طريق الأحوال والمقامات، ومن الباحثين من نسبه إلى الكلمة اليونانية “سوفيا” وتعني الحكمة، باعتبار أن أتباع الصوفية هم الحكماء، ونجد من يربط بين التصوف و”أهل الصفة”، وهم جماعة من فقراء الصحابة، انقطعوا للعبادة في المسجد النبوي، وكان النبي لا ينكر عليهم ذلك.

أما مؤسستا الزاوية والرباط، فهما مركزان خاصان بهؤلاء المشايخ والمريدين، للاعتكاف تقربًا من الذات الإلهية، ومذاكرة أصول الطريق والسنة النبوية الشريفة، وللجهاد؛ جهاد النفس، استعدادًا لأعداء الإسلام.

جذور التصوف الإسلامي في المغرب وظروف نشأته

يرجع أغلب الباحثين والمهتمين تاريخ التصوف المغربي إلى القرن الخامس هجري (11 ميلادي)، رغم ما تطرحه إشكالية التحقيب في علاقتها بمفاهيم كل مرحلة تاريخية على حدة، من إكراهات منهجية.

وحسب المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش، فإن تحديد الإطار التاريخي للتصوف المغربي وتحقيبه بشكل دقيق، يطرح صعوبات جمة. ويتساءل بوتشيش: “هل نعتمد القرن الأول الذي عرف فيه المغرب الفتح الإسلامي حتى القرن الرابع هجري، فنسميه بـعصر “الزهاد” أو “التجربة الفردية”؟ أم ننتقل بعد ذلك من القرن الخامس الهجري حتى القرن الثامن، مع بداية تشكيل التصوف الوجداني؟ لنصل بعد ذلك إلى ما يسمى بـ”الطرقية”، حيث أصبح للتصوف مؤسسته التي هي “الزاوية”، في ظل ظروف وعوامل معينة”.

ظروف خارجية تمثلت في “الرحلة الحجية” نحو المشرق العربي، حيث يلتقي الركب المغربي بشيوخ التصوف هناك، فيأخذون عنهم” العلم” و”البركة”، وهذا ما حصل مع أول المتصوفين المغاربة “سيدي بومدين الغوت” الذي التقى بـ”عبد القادر الجيلالي” في بغداد، وأخذ عنه التصوف.

أما العوامل الداخلية فمتعددة، ومرتبطة بتردي الوضع الاقتصادي، وكثرة الأزمات الاجتماعية، التي لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي السلطوي في الكثير من الأحيان.

ما هي أبرز الطرق الصوفية في المغرب؟

الطريقة القادرية البودشيشية

تنتسب هذه الطريقة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الجيلالي، الذي عاش خلال القرن الخامس الهجري، أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبته عبر الشيخ علي بن محمد الذي لقب بـ“بودشيش”، لكونه كان يطعم الناس أكلة “الدشيشة” الشعبية في المغرب أيام المجاعة بزاويته.

وتتخذ الطريقة من بلدة مداغ، في الشمال الشرقي للمغرب، على مقربة من الحدود الجزائرية، مقرًا لها، يحجه آلاف المريدين من مختلف المدن والدول، وتكاد تكون الوحيدة التي استطاعت تجاوز اختراق الأوساط الشعبية، ووصلت إلى النخبة، من طلبة جامعيين ومهندسين ومثقفين ووجوه إعلامية ووزراء.

الطريقة التيجانية

تنتسب الطريقة التيجانية إلى أبي العباس أحمد التيجاني، المولود في منطقة “عين ماض” بالجزائر، ثم اختار بعدها مدينة فاس -العاصمة العلمية للمغرب- قصد التعلم، وبنية الاستقرار، وكان له ما شاء، حتى وافته المنية بها سنة 1815.

وتعد من أهم الزوايا المغربية التي وصلت للعالمية، بفعل تجاوز تأثيرها الحدود المغربية والمغاربية، نحو مصر وإفريقيا الغربية وبعض الدول الأوربية.

الطريقة العيساوية

أسسها محمد بن عيسى المغربي -دفين مدينة مكناس وسط المغرب- سنة 1524م، وأصل هذه الفرقة الصوفية يعود بدوره إلى محمد بن سليمان الجازولي.

تثير هذه الطريقة جدلًا كبيرًا بين مرحب ورافض لها، لكونها تجمع بين المتناقضات، تعنى بالذكر، وتلاوة القرآن، وسرد الأمداح، وتحتفي بالموسيقى والسماع، لدرجة روحانية تصل حد الإغماء في صفوف المريدين أو افتراس الحيوانات، وهو زيغ وانحراف ما يزال ينبه إليه الفقهاء والعلماء، محذرين من طقوس السحر والشعوذة في العديد من المناسبات.

الطريقة الشاذلية

هي طريقة صوفية تنتشر بقوة في المغرب ومصر. تصل فروعها في مصر وحدها إلى قرابة 90 فرعًا، كل فرع له شيخ يخصه يخدم الأصل، باعتباره محطة أنوار في الطريق، على أساس أن الجميع ينتسب للشيخ المؤسس الذي يرتفع نسبه إلى علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- على عادة مشايخ “أهل الله”.

و(المؤسس) سبط الأشراف أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن بادس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب.

وتتفق المصادر التاريخية على أن مولد الشيخ أبي الحسن كان في حدو عام 593، في قرية غماره، قرب مدينة سبتة المحتلة في أقصى شمال المغرب. بدأ حياة التصوف بالسياحة في الأرض طلبًا لشيخ يأخذ عنه الطريق، فقادته الأقدار الإلهية من المغرب إلى تونس ومصر والشام والعراق وبغداد، وبها التقى الشيخ القطب الرفاعي الكبير أبي الفتح الواسطي.

التصوف والسلطة: أية علاقة؟

كان التيار الصوفي في معظم مراحل تاريخ المغرب قوة اجتماعية دينية مهابة، فرضت على السلطة السياسية اتخاذ حسابات دقيقة، تراوحت بين الاصطدام والعنف والبطش تارة، والاحتواء والاستغلال تارة أخرى.

الدولة تنفق 14 مليار وزيادة على الزوايا الصوفية سنويا. هذا أمر معروف ووزارة الأوقاف تعلن ذلك علنا كل سنة. 14 مليار مبلغ…

Posted by Driss Elganbouri on Thursday, 9 August 2018

فأغلب الدول التي حكمت المغرب منذ الأدارسة بعيد الفتح العربي الإسلامي لبلاد المغرب، حتى الدولة العلوية الحاكمة حاليًا، استمدت شرعيتها من النسب الشريف، شأنها في ذلك شأن كبار الصوفية الذين كانوا ينتمون إلى آل البيت، كالقطب مولاي عبد السلام بن مشيش الذي تعتبر الطريقة التي أسسها تلميذه أبو الحسن الشاذلي الطريقة الأم لأغلب الطرق والزوايا المنتشرة اليوم في العالم الإسلامي.

وحول هذا التقاطع، يقول الأنثروبولوجي عبد الله حمودي في كتابه ”أنثروبولوجيا الملكيات، الملكية المغربية نموذجًا“ إن السمات الدينية للسلطة الملكية المغربية معروفة جدًا، تتلخص أساسًا في البيت الشريف، وفي البيعة، فعن طريق النسب يشترك السلطان في المعجزة النبوية، كما تحقق البيعة له الإجماع حول شخصه.

بهذا الرصيد التاريخي الأنثربولوجي، عملت الدولة في المرحلة الراهنة على دمج الورقة الصوفية ضمن الهوية الدينية التي يعتبر التصوف الجنيدي مكونها الثالث بعد المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.

رصيد وظف سياسيًا، لضرب اليساريين الراديكاليين مع فجر سبعينيات القرن الماضي، واستعملت بطريقة أداتية في إدارة الصراع مع الإخوان المسلمين، والحد من تفشي المد الشيعي، وهي تراهن عليها لمحاصرة التوجهات السلفية الجهادية التي اكتوى المغاربة بنارها في أحداث 16 مايو/يار 2003 الإرهابية بالدار البيضاء.

ومن يومها والفاعل السياسي المغربي يعمل على تقوية الفاعل الصوفي باعتباره نموذجًا لإسلام منفتح وغير مسيس، في ارتباط بمسألة التحديث وإكراهات العولمة على حد تعبير السوسيولوجي محمد جحاح.

ومن هذه الزاوية، عملت الدولة المغربية على بعث وإحياء جوانب تراثية عدة في الثقافة الصوفية عبر هبات مالية ضخمة للغاية، وصلت إلى 14 مليار كل سنة، حسب المفكر إدريس الكنبوري، إضافة إلى الرعاية الرسمية للعديد من المواسم على طول السنة من طرف المؤسسة الملكية، وتنظيم ملتقيات دولية لها، ناهيك عن تشييد المراكز البحثية، والترويج الرسمي لرموزها وأنشطتها في الإعلام بكل أنواعه.

في المقابل، وقفت الصوفية مع الدولة في محطات حرجة مرت بها، كان آخرها مظاهرات حاشدة للبوتشيشين بمشاركة 80 ألفًا، تأييدًا للنظام، وتثمينًا للإصلاحات الدستورية الجديدة للبلاد بعد 20 فبراير/شباط 2011، عقب أحداث الربيع العربي التي كادت تعصف بالجميع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة