الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

«أرض المندوب».. إشكالية تهدد النسيج الاجتماعي في قطاع غزة

قضية "أرض المندوب" في قطاع غزة أكثر القضايا جدليةً بين سكان القطاع.. حيث تسعى حركة "حماس" للسيطرة عليها

 كيوبوست- مصطفى أبو عمشة 

لا تزال قضية “أرض المندوب” في قطاع غزة أكثر القضايا جدليةً بين سكان القطاع؛ والتي تسعى حركة حماس للسيطرة عليها، عبر اقتطاع نسبة 50% من أرض المندوب لصالح حكومة “حماس”؛ الأمر الذي يهدد النسيج الاجتماعي في القطاع، ويهدد مستقبلاً مصير الكثير من ملاك تلك الأرضي.

ولا يزال ملف “أرض المندوب”، المنتسبة إلى المندوب السامي البريطاني، الذي كان رأس هرم الحكم الاستعماري الذي استمر في الأراضي الفلسطينية ما بين عامَي 1918– 1948، يخضع لجدل كبير في أوساط حكومة “حماس”، التي لا تزال تصرّ على التعامل مع الملف “وَفق منطق المندوب البريطاني”.

اقرأ أيضاً:  إلى أين تتجه سياسة السطوة الأمنية التي تتبعها “حماس” في قطاع غزة؟!

وتقع تلك الأراضي في جنوب القطاع، غرب خان يونس، وقسم آخر في رفح، وتم تسجيل الأراضي المزروعة أيام الانتداب مقابل دفع الضرائب، بينما بقيت الكثبان الرملية ضمن حيازة السكان استعمالاً واستغلالاً، وسُميت أرض المندوب؛ حيث اعتبرت وديعة لدى أناس محددين، توارثوا تلك الصفة من الملكية عبر نحو 150 عاماً.

إشكالية تاريخية

عمران الخطيب

وفي هذا السياق، يسعى الكاتب والمحلل السياسي عمران الخطيب، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، إلى توضيح إشكالية “أرض المندوب”، والتي يعانيها العديد من الدول العربية؛ كالأردن وسوريا ولبنان، حيث تُسمى هذه الأراضي بـ”الأراضي الأميرية”، والتي لا تعد بالأساس ملكاً للمواطنين، مشيراً إلى أن الحكومة في قطاع غزة تحتج بأن هذه الأراضي ملك للأجيال، وتسعى لبناء الجامعات والمستشفيات والمدارس عليها؛ لخدمة المواطن الفلسطيني، لكن ما حدث هو أن هذه الأراضي بعد سيطرة “حماس” على قطاع غزة في ما عُرف باسم “الحسم العسكري” في عام 2007، جرى توزيع كميات هائلة من الدونمات على قيادات حركة حماس وأمراء المناطق لـ”حماس”، حيث وضعت الحركة نظاماً في ما يتعلق بتوزيع تلك الأراضي على القيادات والمنتفعين من داخل الحركة، وبالتالي هي لم تتصرف بهذه الأراضي لخدمة المواطن الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في غزة.. المهمة المستحيلة في ظل سيطرة “حماس“

ويضيف الخطيب لـ”كيوبوست”، قائلاً: “العديد من المواطنين في الكثير من الدول يستخدمون مثل هذه الأراضي التي تُسمى بالأراضي المشاع، وبعد فترة من الزمن تقوم الدولة، كما هي حال العديد من الدول، بترخيص هذه الأراضي وتوزيعها على المواطنين القاطنين فيها، الذين قاموا بعمليات البناء عليها وأخذ (مسقفات) ومبالغ رمزية من المواطنين، ويشترط أن لا تستخدم لأغراض تجارية؛ بل لأغراض سكنية؛ خصوصاً للمواطنين الذين يكونون دون سكن وقاموا بعملية بناء غير شرعية عليها”.

مساعٍ سابقة من قِبل حكومة “حماس” لتطويق أزمة “أرض المندوب” بعد غضب عائلات غزية.. لكن هذه المساعي فشلت

لكن ما يحدث بقطاع غزة منذ اللحظات الأولى للحسم العسكري بالقطاع عام 2007 وحتى اللحظة الراهنة؛ هو أن الأراضي الحكومية “الأميرية” كافة، حسب ما يؤكده عضو المجلس الوطني الفلسطيني، هي أراضٍ تخضع لسلطة “حماس” وتوزع على قياداتها وكوادرها والمنتفعين من داخل الحركة، مشيراً إلى أنه من المعروف أن حركة حماس لم تقم بتقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين وإقامة المدارس والمستشفيات والجامعات والخدمات الصحية والطرق؛ فكل البنى التحتية التي أُقيمت في قطاع غزة كانت إما مساعدات من السعودية وقطر وإما من خلال وزارة الأشغال العامة عبر السلطة الوطنية الفلسطينية التي تصرف 40% من موازنتها على قطاع غزة؛ حيث تقدر قيمة مصاريف غزة السنوية بنحو 2 مليار دولار أمريكي، توزع على نحو 77 ألف موظف مدني وعسكري، بالإضافة إلى تكفل السلطة بالعديد من الخدمات الصحية والتعليمية واللوجستية.

اقرأ أيضاً: لماذا تتغاضى السلطة الفلسطينية عن نشاطات “حماس” المهددة لها في الضفة؟

إضافة إلى ذلك، فإن “حماس” تتلقى الدعم بوسائل مختلفة من الأمم المتحدة وفي ما يتعلق بمسألة “المازوت”؛ لتشغيل شبكات الكهرباء بقطاع غزة، فهي تأتي من خلال مصر، ومن هنا يشير عمران الخطيب إلى أن “حماس” عبارة عن نظام “جباية” يقوم بجمع الضرائب من المواطنين، منوهاً بأن شتى أنواع الضرائب في الدول الأكثر تقدماً بالدخل للمواطن لا تكون بهذا الحجم من الضرائب كما هي الحال في قطاع غزة.

وبالتالي فإن ما يحدث حالياً بمسألة الأراضي “الأميرية”، هو أنها تحتاج، حسب رؤية الخطيب، إلى وقفة من مختلف الفصائل الفلسطينية الموجودة في قطاع غزة، ومن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، التي يجب أن تقف في مواجهة الاعتداءات التي تقوم بها “حماس” وقياداتها وكوادرها على هذه الأراضي.

تُقدر مساحة “أراضي المندوب” بـ(6820) دونماً في محافظة خان يونس وبـ(2290) دونماً بمحافظة رفح- وفق إحصاء سلطة الأراضي بغزة

ويتمنى الخطيب من “حماس” أن تنعكس الأموال التي يتم جمعها من كاهل المواطن الفلسطيني، على حياته المعيشية؛ من خلال إقامة المشروعات وتوظيف العمال، ومن خلال استثمارها في الداخل، فبدلاً من الاستثمار في الخارج الذي تقوم به قيادات “حماس” في العديد من الدول، والذي كُشف آخره في السودان قبل عدة أشهر، بمبلغ مليار و200 مليون دولار، كان من الأجدر على الحركة أن تستثمر الأموال الموجودة في تركيا والسودان أو أي مكان آخر داخل الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة؛ لأجل القضاء على البطالة وعدم التسبب في ذهاب الشباب الفلسطيني للعمل في إسرائيل. 

قضية نزاعية

ذوقان قيشاوي

وفي سياق متصل، يؤكد الخبير في القضايا السياسية والاجتماعية، ذوقان قيشاوي، لـ”كيوبوست”، أن حالة أرض المندوب في قطاع غزة، تدخل في إطار النزاع الذي يُعرِّفه سايمون فيشر، من مركز الاستجابة للنزاع في بيرمنجهام، على أنه “عدم الانسجام في الأهداف أو السلوك”، وهذا ينطبق كلياً على “أراضي المندوب”؛ حيث إن هذه القضية تظهر بين الفينة والأخرى كقضية نزاعية بين أصحابها والسلطة في قطاع غزة، وحسب سلطة الأراضي في قطاع غزة، فإن مساحة أراضي المندوب تقدر بـ(6820) دونماً في خان يونس، و2290 دونماً في رفح.

ويضيف قيشاوي، في حديثه: “يبدو أن النزاع بين سلطة الأراضي في قطاع غزة وملاك الأرض، هو نسبة التقسيم لصالح كل طرف؛ حيث إن سلطة الأراضي تصر على تقسيم الـ50%، بينما وافق ملاك الأرض على اقتطاع 25% لصالح المنشآت العامة؛ مثل المدارس، وشق الطرق، والمساجد.. وغيرها.

اقرأ أيضاً: أنفاق “حماس” تثير قلق المنظمات الدولية في غزة

ومن هنا، فإن القضية، حسب ما يذهب إليه قيشاوي، متعلقة بالنسبة وليست بمبدأ الملكية، ولكن إذا تم إجبار المواطنين على تقبل قرار حركة حماس باقتطاع نسبة 50% من أرض المندوب، فإن هذا سيؤثر بشكل مطلق على النسيج الاجتماعي في القطاع، ويهدد مصير الكثير من ملاك تلك الأرض مستقبلاً، وهنا يجدر بكل الأطراف تذليل العقبات والوصول إلى تسوية لا غبن فيها، وهذا يتطلب جهوداً كبيرة من قِبل قيادة حركة حماس والشخصيات الاعتبارية في قطاع غزة، والخروج بحلول يكون عنوانها مصالح الأطراف بأقل ضرر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة