الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون عربية

أحياء “الملاح”.. موطن اليهود المغاربة ومنبع النخب والخبرات

الباحث المغربي عبدالرحيم شهيبي لـ"كيوبوست": تأسست الملاحات داخل مختلف الحواضر المغربية وعاش سكانها اليهود على وفاق مع جيرانهم المسلمين

المغرب- حسن الأشرف

لا تخلو المدن العتيقة الكبرى في المغرب؛ مثل الرباط والدار البيضاء وفاس والصويرة.. وغيرها من الحواضر، من أحياء بعينها تُسمى أحياء “الملاح”، وهي الأحياء التي اتخذها اليهود المغاربة مأوى وسكناً لهم؛ حيث عاشوا جنباً إلى جنب مع المغاربة المسلمين طيلة عقود من الزمن.

ويعود أصل تسمية الملاح إلى أول حي يهودي تم تشييده في مدينة فاس العاصمة العلمية والروحية للمملكة، في عهد حكم الدولة المرينية في القرن الخامس عشر، وَفق ما دونته كتابات تاريخية عديدة، كما أن سبب التسمية يعود إلى أن هذه الأحياء كانت نقطة تجميع مادة الملح وتخزينه لتصديره عبر القوافل التجارية.

اقرأ أيضاً: حاييم سعدون: إنكار الهولوكوست غير مقبول.. والمغرب يعتبر اليهود أبناء

التعايش في الملاحات

وعاش اليهود المغاربة في “الملاحات”؛ حيث كانوا يباشرون أنشطتهم التجارية التي اشتهروا بها، مثل بيع المجوهرات وتجارة الشاي، ودشنوا فيها مدارسهم ومعابدهم الخاصة، في انفتاح مع المسلمين، ودون مشكلات معهم، كما تمكنوا من تشكيل نخب تجارية واقتصادية ذات أهمية؛ سواء في المغرب أو في إسرائيل أيضاً.

وأفرزت أحياء الملاح نُخباً اقتصادية ودينية وتجارية مهمة؛ حيث في الاقتصاد والتجارة نشأت شبكات لرجال أعمال ذوي نفوذ في عالم المال والأعمال، بعضهم كانوا قريبين من أصحاب القرار، كما برز حاخامات كبار ذوو صيت دولي، وفي السياسة برزت نخب قوية بعضها بلغ مناصب مهمة في دواليب القرار في إسرائيل.

حي الملاح بمدينة مراكش

ويتحدث الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي عبدالرحيم شهيبي، إلى “كيوبوست”، عن “الملاحات”؛ حيث قال: إن فكرة تأسيس الملاحات أصلاً في جمع اليهود في حي لتوفير الأمن لهم مقابل استمرار أنشطتهم الاقتصادية، ووجدت الملاحات في مختلف الحواضر المغربية بمساحات ضيقة وكثافة سكانية مرتفعة؛ مما سهل العلاقات الاجتماعية بين اليهود أنفسهم وبين جيرانهم المسلمين.

وأضاف شهيبي: “داخل الملاحات يعيش اليهود في تضامن بينهم على الرغم من الفوارق الاجتماعية؛ حيث إن المنازل والبيوت تبدو متشابهة ولا تعكس في غالبها الوضعية الاجتماعية لساكنيها؛ نظراً لضيق المساحات وارتفاع الكثافة، لكن الأهم هنا هو أن الملاحات كانت بالفعل مجالاً للتفاعل الثقافي؛ إذ إن اليهود في المغرب على الرغم من المشترك العقدي بينهم، فإنهم مختلفون ثقافياً واجتماعياً بين اليهود الأصليين المتشبثين بعاداتهم التي تشبه إلى حد ما عادات جيرانهم المسلمين (في ما عدا الجوانب الدينية)، ثم اليهود المطرودين من الجزيرة الإيبيرية؛ والذين هم أيضاً متشبثون بثقافتهم ولغتهم الإسبانية”.

نخب دينية واقتصادية

عبدالرحيم شهيبي

وسجَّل شهيبي بأن “الملاحات المغربية في بداياتها كانت تؤسس لنخب دينية واقتصادية؛ ففي الجانب الديني أسست الملاحات طرقاً صوفية كابالية مغربية متميزة كان لها تأثير كبير على المستوى العالمي طيلة القرون من 16 إلى 18، بل إنها تُصدر حاخامات كباراً كان لهم صيت عالمي نحو فلسطين، هؤلاء الذين كان لهم الدور الكبير في تأسيس الجماعة المغربية (المعروفة بالمغرابيم) في أبرز المدن الدينية في فلسطين؛ كالقدس والخليل وطبرية وصفد، ومن بين هؤلاء بالخصوص الصوفي حاييم بن عطار، ثم عائلة أبراهام أزولاي، بالإضافة إلى دافيد بن شيمون”.

أما في الجانب الاقتصادي، يضيف المتحدث ذاته، فإن اليهود في المغرب متمرسون في التجارة والحرف اليدوية، ونادراً ما يتعاطون الفلاحة بالنظر إلى وضعيتهم الاجتماعية والسياسية التي لم تكن تسمح لهم بتملك الأراضي. ويصعب كثيراً الحديث عن التجارة في القرن التاسع عشر دون الحديث عن اليهود وكفاءتهم بها؛ والتي أسهمت في ظهور نخبة من اليهود متمرسة، نظراً لثقافتها العالية وتمكنها من العديد من اللغات الأوروبية وأن تصل إلى مصاف ما يُعرف بتجار السلطان الذين يتكلفون بمختلف العمليات التجارية في المدن التي تتوفر على مراسٍ وتتم بها مبادلات تجارية بين المغرب وأوروبا.

اقرأ أيضاً: معرض في فرنسا يستلهم التاريخ المشترك بين اليهود والمسلمين

وأورد شهيبي أن القرن التاسع كان هو قرن المنافسة بين القوى الأوروبية للهيمنة على المغرب، وقد استفاد العديد من اليهود من هذه المنافسة للحصول على حماية من بلدان أوروبية تفتح لهم أفاقاً كبيرة وتخلصهم من وضعية الذمة، وكانت بعض التمثيليات الدبلوماسية الأجنبية بالفعل توجد داخل الملاحات في بعض المدن، وهو ما فتح المجال أمام اليهود للاحتكاك بالأوروبيين، والبحث عن السبل للحصول على حمايات قنصلية أو التقرب أكثر من اليهود المحميين، ليعزز هذا الأمر ظهور نخب اجتماعية واقتصادية لها تأثير كبير على باقي ساكني الملاحات.

المدارس والتعليم

واستطرد الأكاديمي ذاته بالقول: “إن التغيير الكبير في ما يتعلق بالنخب داخل الملاحات لن يتأتى إلا قبيل فترة الحماية الفرنسية والإسبانية بدخول فاعل كبير يتمثل في الرابطة الإسرائيلية العالمية التي أسست أول مدرسة لها بمدينة تطوان 1862، ثم تلتها مدارس أخرى في طنجة وفاس، قبل أن تعم أبرز الحواضر المغربية مع التقدم الفرنسي في المغرب”، مبرزاً أن “الهدف من تأسيس هذه المدارس هو المساهمة في انعتاق اليهود من وضعيتهم الاجتماعية المزرية ودفعهم نحو الحداثة والمعاصرة على شاكلة اليهود الأوروبيين”.

وتابع: “في الواقع كان لهذه المدارس دور كبير في ظهور نخب يهودية في الملاحات باتت لديها طموحات سياسية وثقافية؛ حيث إن مجموعة من الخريجين كانت لهم البادرة في الهجرة نحو بلدان بعيدة، مثل البرازيل والأرجنتين والبدء في تأسيس تكتلات تجارية وفنية وثقافية بهذه البلدان، كما أنها أسهمت في تطوير العقليات وظهور أجيال جديدة داخل الملاحات تخلصت بشكل كامل من براثين التقليدانية التي فرضتها سيطرة القوى الدينية داخلها”.

وزاد شهيبي: “كان من بين هؤلاء النخبة التي أسست أو شاركت في تأسيس صحافة إسرائيلية بالمغرب في فترة الحماية، كما دفعت العديد منهم نحو الواجهة للمشاركة السياسية في إطار أحزاب سياسية إلى جانب يهود أوروبيين، كما هو الأمر بالنسبة إلى الحزب الشيوعي المغربي، كما كان للعديد منهم الأثر في تغيير الأوضاع الاجتماعية للملاحات في فترة الحماية والفترة التي عرفت تدخلات منظمات يهودية دولية ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال تأسيس الجماعات اليهودية المغربية والمشاركة في إبداء الرأي حول مصير الحماية؛ بل حتى المشاركة في محادثات إيكس ليبان المفضية إلى استقلال المغرب، وقد اختار العديد من نخب اليهود في المغرب ما بعد الاستقلال، لظروف معينة، الهجرة سواء نحو إسرائيل أو البلدان الأوروبية أو الولايات المتحدة وكندا، بالإضافة إلى الملجأ القديم في بلدان أمريكا اللاتينية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة