الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أحمد الشيبة.. قصة ملهمة تلخص معاناة الشباب اليمني

السمة المميزة في مسيرة الموسيقي الراحل أحمد الشيبة هي قيامه بالمزج بين فنون الموسيقى الشرقية والغربية عبر البحث عن جذورهما المشتركة

كيوبوست- منير بن وبر

أثارت وفاة الفنان اليمني الشاب أحمد الشيبة، حزناً في الوسط الفني والمجتمع اليمني، واليمنيين في الشتات عموماً؛ ذلك أن الشيبة لم يكن مجرد عازف عود، بل شاب مهاجر تمكن من الحفاظ على هويته الموسيقية اليمنية وإبرازها من بلاد المهجر؛ حيث التحديات، وفي نفس الوقت الفرص، لا حدود لها.

توفي أحمد الشيبة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، يوم الأربعاء الماضي، إثر حادث مروري. لم يتعدَّ الشيبة الثالثة والثلاثين من العمر، ولم يتلقَّ تعليماً أكاديمياً في الموسيقى؛ لكنه تمكن من تحقيق نجاح ملموس من خلال استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لموهبته. حصدت قناته على “يوتيوب” 112 مليون مشاهدة، ولديه -رحمه الله- 800 ألف مشترك.

اقرأ أيضاً: شاب يمني يسعى لحفظ وتطوير فن غنائي تقليدي.. تعرف عليه

تسلِّط قصة أحمد الشيبة الضوء على عدد من المآسي الشائعة، ولسخرية القدر تسلط الضوء كذلك على عدد لا حصر له من الفرص أمام الشباب اليوم لشق طريقهم وتحقيق تطلعاتهم. لقد ترك الشيبة اليمن منذ عام 2012، العام التالي لما يُعرف بثورة الشباب، والتي لحقها عدم استقرار سياسي واقتصادي ما زال مستمراً إلى اليوم.

لكن، بغض النظر عن الأسباب المحتملة التي دفعت أحمد إلى الهجرة، فلا شك أن مغادرة الوطن يمكن أن تكون شرارة إبداع؛ إذ يمكن أن يؤدي الوجود في مكان جديد إلى فتح آفاق جديدة والمساعدة في تعزيز أفكار مختلفة. يمكن أن يوفر الاغتراب أيضاً الوقت والمساحة اللازمَين للتركيز على الفن أو الموهبة.

أحمد الشيبة يستخدم آلات موسيقية متنوعة- صفحة الشيبة على “إنستغرام”

النجاح في المهجر

عاش أحمد الشيبة وترعرع في اليمن منذ أن أبصر النور في عام 1990م وحتى عام 2012، حسب ما تتداوله وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. كغيره من اليمنيين، يمكن افتراض أنه عاش في بيئة فنية في المُجمل؛ فاليمن غني بتراثه الغنائي والموسيقي والاستعراضي الفريد وشديد التنوع، والفن اليمني يُمارس في كل الأماكن والأوقات، وغالباً ما ينشأ الإنسان اليمني متذوقاً للفن؛ من الموشحات الدينية، مروراً بالأهازيج الشعبية، ووصولاً إلى الطرب.

في أحد لقاءاته التليفزيونية، أشار أحمد إلى أن بدايته كانت من خلال مراقبته تعلُّم أخيه على عزف آلة العود. وكما يبدو من كلامه، فإن أخاه لم يحرص على مواصلة العزف، بينما أخذ هو الدور بدلاً عنه، واستمر في تعلُّم العزف على آلة العود لسنوات قبل أن يُظهر فنه على وسائل التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: عبدالرزاق قرنح.. التنزاني الذي انتزع نوبل بروح “حضرموت”

هاجر أحمد إلى الولايات المتحدة في عام 2012. وبغض النظر عن أسباب الهجرة، فإن السفر عموماً يجلب التحديات معه. يمكن أن يكون هناك شعور بانعدام الجذور والعزلة نتيجة صعوبة العثور على أشخاص متشابهين في التفكير للتعاون معهم أو تبادل الأفكار معهم. هذه التحديات يمكن أن يحولها البعض إلى فرص، وهذا ما فعله أحمد الشيبة؛ فبالنسبة إلى الذين يعيشون في الشتات، هناك بعض العناصر الخاصة للنجاح.

تشمل قواعد النجاح في المهجر وجود إحساس قوي بهويتك وما تريد تحقيقه. دون هدف واضح، يصبح من السهل الضياع في محيط غير مألوف من كل شيء. عبَّر أحمد الشيبة عن هويته من خلال العزف على آلة العود، ومن خلال مزج الموسيقى الشرقية بالغربية.

لقد وضع أحمد بصمته الخاصة في محيطه الجديد المختلف كلياً؛ فنال استحسان وإعجاب الجهور، خصوصاً أبناء وطنه في كل دول الشتات، وكان هذا عاملاً آخر للنجاح، فبغض النظر عن بعد المسافة، تذكر دائماً أن هناك أشخاصاً من وطنك الأم يريدون رؤيتك تنجح وسيساعدونك على طول الطريق.

غلاف إحدى مشاركات الشيبة- صفحة الشيبة على “إنستغرام”

مواصلة ما بدأه الأجداد

السمة المميزة في مسيرة أحمد الشيبة هي قيامه بالمزج بين فنون الموسيقى الشرقية، من خلال آلة العود، والموسيقى الغربية؛ فهو -كما يصف نفسه في قناته على “يوتيوب”- يعزف مزيجاً من الأسلوب الشرقي والأسلوب الغربي. إن هذا المزج -في الواقع- ليس أمراً جديداً؛ إذ لطالما كان هناك تأثير وتأثر بين الموسيقى العربية والغربية منذ قرون، ولربما ظهر روَّاد لهذا المزج بين الحين والآخر. ربما يكون أحمد قد وضع رجله للتو في طريق قيادة هذا التبادل الثقافي قبل أن يتوفاه الموت على حين غرة.

تعود أصول بعض الآلات الموسيقية المستخدمة في أوروبا؛ مثل الجيتار والعود، إلى العرب. وصف شكسبير، الكاتب الإنجليزي الشهير، العودَ بأنه يمتلك القدرة على أخذ المستمع إلى نوع من “النشوة” أو “الطرب”. وكما يصف البعض، فإن نغمات العود الساحرة جعلت منه أكثر الآلات الموسيقية احتراماً وإعجاباً.

اقرأ أيضاً: القحوم.. الشاب الذي أصر على إظهار اليمن بصورة مختلفة

تأثر الغناء والموسيقى الأوروبية بشكل كبير بفنون الغناء العربية؛ بداية من الوجود العربي في إسبانيا (الأندلس) وصقلية. من ذلك التأثير إدخال آلات وأصوات جديدة؛ حيث تم تقديم آلات مثل العود والناي إلى الجماهير الأوروبية من خلال الموسيقى العربية، وتم دمج هذه الآلات بعد ذلك في التقاليد الموسيقية الأوروبية؛ مما أدى إلى مجموعة أكثر تنوعاً من الأصوات والأنماط.

يُعتقد أن أصول بعض التقنيات التي يعتمد عليها المطربون الأوروبيون تعود إلى الفنون العربية؛ مثل تهديج الصوت (vibrato) والنغمات الصغيرة (microtones). لقد نتج عن ذلك مجموعة متنوعة من الأساليب والأصوات الصوتية في الموسيقى الأوروبية والغربية عموماً.

تلك الأمثلة على التبادل الثقافي الذي يمتد لقرون من الزمن لا تزال مستمرة؛ لكن بخفوت، وبقليل من الاعتراف، أو لنقل بقليل من الإدراك والفخر بحجم التأثير العربي على الموسيقى الغربية من قِبل الموسيقيين العرب اليوم. ومع ذلك، يتبنى موسيقيون يمنيون قلائل جداً اليوم مشروعات تهدف إلى إعادة إبراز الفنون اليمنية والعربية وتنشيط التبادل الثقافي مع التقاليد الغربية؛ ومنهم أحمد الشيبة -رحمه الله- والمايسترو محمد القحوم الذي شاركه الشيبة في أحد حفلاته هذا العام في القاهرة تحت عنوان “نغم يمني على ضفاف النيل”. تُعد مثل هذه المبادرات مواصلة تستحق الإعجاب لما بدأه الأجداد في تبادل ونشر الثقافة العربية.

أحمد الشيبة مع المايسترو محمد القحوم- صفحة القحوم على “فيسبوك”

الموسيقى ووسائل التواصل الاجتماعي

كانت وسائل التواصل الاجتماعي هِبة عظيمة لأحمد الشيبة وغيره من الشباب؛ لقد قدمت هذه الوسائل إمكانات غير محدودة لإظهار الموهبة بأقل التكاليف، ولأوسع جمهور. كما فتحت الباب على مصراعيه للتشبيك وإتاحة الفرصة للموسيقيين للتواصل مع بعضهم ومع جمهورهم، وخلق الفرص للعمل معاً. بالنسبة إلى الموسيقي المستنير، فإن أفضل الطرق للاستفادة من هذه التقنيات هو من خلال مشاركة موسيقاه والتفاعل مع الجمهور وتقبُّل النقد وطلب النصح.

قدم أحمد الشيبة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي العود ممزوجاً بالموسيقى الغربية. كان النجاح مرهوناً بالمعرفة الدقيقة للنمطَين الموسيقيَّين وما يمكن أن تُسهم به كل أغنية في تحقيق الهدف من المزج. ذلك يعني اتخاذ قرارات أفضل بشأن العناصر التي يجب الاحتفاظ بها وأيها يجب التخلص منها. إن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تشريباً بالموسيقى الأصلية، في حالتنا هذه الموسيقى اليمنية أو العربية، وكما أسلفنا، ينشأ اليمني في بيئة مشبعة بالفن.

اقرأ أيضاً: كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

ربما يكون اليمن بلداً غير مستقر، يعاني مشكلات اقتصادية تدفع مواهبه وعقوله إلى الهجرة؛ لكن ذلك لا يعني أن هذه هي الأسباب للهجرة دائماً، فقط تكون الأسباب ببساطة البحث عن فرص أفضل أو تجربة مغامرة مُجزية. بصرف النظر عن الأسباب، فإن المهاجرين دائماً هم سفراء أوطانهم؛ خصوصاً عندما يعتزون بهويتهم ويناضلون من أجل تحقيق أقصى استفادة من خبراتهم وثقافتهم من خلال مزجها بثقافة موطنهم الجديد، أو جعلها القالب الذي يقدمون عبره موهبتهم، أياً كانت.

اليوم، وفي عصر الاتصالات شديدة السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي، سيكون لدى الشباب شعور أقل بالغربة وفرص أكبر للارتباط بوطنهم الأم والمساعدة في إظهاره بشكل مختلف للعالم، وهذا ما كان يحاول الفنان اليمني أحمد الشيبة تحقيقه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة