الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةدراساتشؤون دوليةمجتمعملفات مميزة

ترجمات: أحدث الديانات الكبرى في العالم.. اللادينية

كثير من الناس يُعرِّفون أنفسهم اليوم أكثر من ذي قبل باعتبارهم ملحدين أو لا أدريين أو لادينيين.. ما قد ينطوي على آثار سوف تغير العالم.. مع نمو العلمانية يحاول الملحدون واللادينيون توسيع صفوفهم وتنويعها

كيوبوست-ترجمات

بقلم: غابي بولارد

 ربما لا يخطر ببالك عادةً أن الكنائس ستتوقف عن العمل، لكن ذلك يحدث؛ ففي شهر مارس، ونتيجة موت أبناء الإبراشية وقلة الاهتمام، عقدت طائفة المينوناتية في المملكة المتحدة آخر خدمة جماعية لها. وقد يبدو من السهل التنبؤ بأن أتباع تجديدية العماد المتقشفين -الذين يعتنقون إيمانًا يشبه طائفة الأميش- سيصبحون غير مهتمين بتعاليمهم في عصر الهواتف الذكية، لكن ذلك جزء من تيار أكبر.. ففي جميع أنحاء العالم، عندما يُسأل الناس عن مشاعرهم تجاه الدين، يجيب المزيد والمزيد منهم بإيماءة لا مبالاة.

ويزداد بشكل ملحوظ عدد غير التابعين لأي دين، ويطلقون على أنفسهم “لا منتمين”؛ حيث يعدون ثاني أكبر مجموعة دينية في أمريكا الشمالية ومعظم بلدان أوروبا. وفي الولايات المتحدة، يُشكل الـ”لا منتمون” ما يقرب من ربع السكان. وقد تجاوز عدد الـ”لا منتمين” في العقد الماضي في الولايات المتحدة عدد الكاثوليك والطوائف الرئيسة من البروتستانت وجميع أتباع الديانات غير المسيحية.

Infographic 1 AR

إن الافتقار إلى الانتماء الديني له آثار عميقة على طريقة تفكير الناس في الموت، وكيفية تعليم أطفالهم، وحتى كيفية التصويت. (شاهد سلسلة قصة الله مع مورغان فريمان لمزيد من المعلومات حول كيفية فهم الديانات المختلفة للإله والخلق). ومنذ فترة طويلة كانت هناك تنبؤات بأن أهمية الدين سوف تخبو مع مواكبة العالم للعصر، لكن جميع الدراسات الاستقصائية الأخيرة وجدت أن ذلك يحدث بسرعة مذهلة؛ حيث ستكون غالبية سكان فرنسا من العلمانيين قريبًا، وكذلك هولندا ونيوزيلندا. بينما ستفقد المملكة المتحدة وأستراليا الأغلبية المسيحية قريبًا؛ فقد أصبح الدين أقل أهمية مما كان عليه ذي قبل، حتى بالنسبة إلى مَن يعيشون في بلدان يؤثر الإيمان فيها على كل شيء، بدءًا من الحكام إلى الحدود وحتى الهندسة المعمارية.

لكنّ الـ”لا منتمين” لم يرثوا الأرض حتى الآن. ففي أجزاء كثيرة من العالم -خصوصًا في إفريقيا السوداء التي تقع جنوب الصحراء الكبرى- ينمو الدين بسرعة كبيرة؛ لدرجة سيقل معها فعليًّا نصيب الـ”لا منتمين” من سكان العالم في غضون 25 عامًا، بينما يتحوَّل العالم إلى ما وصفه أحد الباحثين بأنه “علمنة الغرب وسرعة تنامي ما دونه”. (ثاني أكبر جزء علماني في العالم هو الصين؛ حيث هزَّت الثورة الثقافية عرش الدين لعقود، بينما في بعض الدول الشيوعية السابقة أخذ الدين في التصاعد).

Infographic 2 AR

وحتى في الغرب العلماني، فإن سلسلة “مشروعات قوانين الحرية الدينية” -التي تجرِّم التمييز بشكل أساسي- هي أحدث معارك الحرب الثقافية ذات الصبغة الإيمانية الدائرة في الولايات المتحدة ولا تُظهر أي علامات على التحريض في أي وقت قريب. وتحدث داخل صفوف الـ”لا منتمين” انقسامات عميقة الجذور؛ فبعضهم ملحد والبعض الآخر لا أدري. وكثير غيرهم لا تشغلهم مسألة المسميات ببساطة؛ حيث يركزون حول الشكوك تجاه المنظمات، ويوحدهم الإيمان المشترك المتمثل في أنهم لا يؤمنون. فالـ”لا منتمون” كجماعة ليست معقدة داخليًّا؛ مثل عديد من الأديان. وكما هي الحال مع الأديان، فإن هذه التناقضات الداخلية يمكن أن تنفر الأتباع الجدد.

من جيل الألفية إلى الله: لا مع الشكر!

إذا كان العالم الآن على حافة الهاوية الدينية، فإننا نتحرك نحوها ببطء منذ عقود. فقبل خمسين عامًا، تساءلت مجلة “تايم” في عنوان شهير يقول: “هل الله ميت؟”، وتساءلت المجلة عما إذا كان الدين أمرًا يناسب الحياة الحديثة في عصر ما بعد القنبلة الذرية، عندما كانت الشيوعية تنتشر وكان العلم يقدم تفسيرات أكثر من أي وقت مضى عن عالمنا الطبيعي.

وما زلنا نطرح السؤال، لكن الرد لا يقتصر على نعم أو لا؛ لأن جزءًا كبيرًا من سكان العالم الذين ولدوا بعد نشر المقالة قد يجيبون على السؤال الاستفزازي الذي ينطوي عليه العنوان بقولهم “الله مَن؟!”، وفي أوروبا وأمريكا الشمالية عادةً ما يكون الـ”لا منتمون” أصغر من متوسط ​​أعمار السكان بعدة سنوات؛ حيث إن 11 في المئة من الأمريكيين الذين ولدوا بعد عام 1970 تربّوا في منازل علمانية.

إن التقدم العلمي لا يجعل الناس يتشككون في ماهية الله فحسب؛ بل إنه يربط أيضًا بين مَن يتشككون.. فمن السهل العثور على مجموعات نقاش ملحدة ولا أدرية على الإنترنت؛ حتى إذا كنت تنتمي إلى أسرة متدينة أو مجتمع ديني. وأي شخص يريد الرفقة التي قد تأتي من الكنيسة بخلاف ذلك، يمكنه حضور جمعية الأحد العلمانية أو أحد اجتماعات الإنسانيين أو الملحدين أو اللا أدريين أو المتشككين، المتوفرة بكم هائل. ولا يقتصر عمل المجموعات التي تقف وراء المنتديات الإلكترونية والاجتماعات على تقديم ذريعة للأقارب المتدينين الأذكياء المتشككين دائمًا؛ فيضغطون عليهم للذهاب إلى الكنيسة، وبذلك يقولون للملحدين الناشئين إنهم ليسوا وحدهم. لكن ليس من السهل توحيد الناس حول فكرة عدم الإيمان بأي شيء. تقول ستيفاني جوتورمسون، مدير العمليات في مؤسسة “ريتشارد دوكينز”، المندمجة مع مركز الاستقصاء: “إن تنظيم الملحدين يشبه رعي قطيع من القطط”، مضيفةً: “لكنّ كثيرًا من القطط عرفت طريقها إلى (المواء)”.

تقول ستيفاني إن هدف مجموعتها هو تنظيم نفسها خارج الوجود؛ حيث يريدون جعل الإلحاد أمرًا طبيعيًّا إلى درجة يصبح فيها أمرًا شائعًا فلا يعود الملحدون بحاجة إلى جماعة تقول لهم إنه لا بأس من عدم الإيمان أو بحاجة إلى الدفاع عن أخلاقهم في مواجهة حماة الأخلاق المتدينين، لكن ذلك غير متاح بعد.

مشكلة التنوُّع في الإلحاد

ينظِّم مركز الاستقصاء في العاصمة واشنطن، بانتظام، فعالية مدتها ساعة تسمى “السُكر غير الواثق”. وذات أربعاء في أواخر مارس، حضر ما يقرب من عشرة أشخاص ليشربوا بلا هوادة، وكان جميعهم من البيض ما عدا شخصاً واحداً. يقول كيفن دوغلاس، المشارك الأمريكي الإفريقي الوحيد في الشراب، وهو يهزأ من التركيبة العرقية: “معظم المجموعات التي رأيتها كانت بصفة رئيسية من البيض؛ لكنني لست متأكدًا مما يجب أن أعزو إليه ذلك”. لقد نشأ في عائلة متدينة في نيويورك، وعانى نفسيًّا بسبب شكوكه حتى بعد فترة قصيرة من دراسته الجامعية. والمرة الوحيدة التي يشير فيها إلى وجود صعوبة في قبول الآخرين لكونه ملحدًا كانت خلال فترة عمله في دالاس- تكساس، حيث يقول: “إن العرق لم يكن يمثِّل دورًا قويًّا في ذلك”.

لكن مانديسا توماس، مؤسس ورئيس مؤسسة “اللادينيين السود”، ومقرها في أتلانتا، تقول بطريقة أكثر نمطية: “هناك ضغط من مجتمعنا (الأمريكيين الأفارقة)”. ينبع هذا الضغط من المكانة التي يتمتع بها الدين -المسيحية بالتحديد- في التاريخ الإفريقي الأمريكي. في حركة التحرير من العبودية، تقول مانديسا: “أصبحت الكنائس نظام دعم للسود. لقد أصبح الأمر أشبه بـ(نكون أو لا نكون) بالنسبة إلى مجتمع السود لعدة سنوات”، مضيفةً أن حركة الحقوق المدنية كانت مهيمنة إلى أن “اختطفها”، على حد قولها، الزعماء الدينيون. وتقول مانديسا أيضًا: “إذا تم نبذك أو عُرف أنك غير مؤمن، فسيعتبرونك تخون عرقك”. ولعل مانديسا حالة غير اعتيادية بين غير المؤمنين لسبب آخر؛ هو كونها امرأة.

ويمتلئ الغرب العلماني بالرجال البيض؛ حيث تبلغ نسبة الذكور من إجمالي سكان الولايات المتحدة 46 في المئة، بينما تبلغ نسبة البيض 66 في المئة منهم، ولكن نحو 68 في المئة من الملحدين هم من الرجال، و 78 في المئة من البيض. وقد وصف الاتحاد الدولي للملحدين الخلل في النسبة بين الجنسَين في صفوف أعضائه بأنه “قضية مهمة وعاجلة”.

Infographic 3

امتيازات عدم الإيمان

هناك بعض النظريات التي تتناول سبب اتجاه الناس إلى الإلحاد بأعداد كبيرة. ويعزو بعض علماء الديموغرافيا ذلك إلى الأمن المالي؛ وهو ما يفسر سبب كون الدول الأوروبية التي تتمتع بشبكة أمان اجتماعي أقوى، أكثر علمانية من الولايات المتحدة؛ حيث الفقر أكثر شيوعًا، ويمكن أن تؤدي حالة طبية طارئة إلى إفلاس حتى المشمولين بالتأمين الصحي. كما يرتبط الإلحاد أيضًا بالتعليم، ويُقاس بالإنجاز الأكاديمي (يميل الملحدون في كثير من الأماكن إلى الحصول على شهادات جامعية) أو المعرفة العامة بمختلف المعتقدات في جميع أنحاء العالم (ومن هنا ظهرت نظريات تفترض أن الاتصال بشبكة الإنترنت يحفز على الإلحاد).

وهناك بعض الأدلة على أن وجود ديانة رسمية للدولة ينفر الناس من الدين تمامًا؛ ما قد يساعد في تفسير سبب كون سكان الولايات المتحدة أكثر تدينًا من سكان معظم الدول الغربية التي لديها دين رسمي للدولة نظريًّا، حتى لو كان نادرًا معمولًا به. وتتمتع الولايات المتحدة أيضًا بكونها موطن عدد من الطوائف المحلية -فلسفة السينتولوجيا، المورمونية- التي قد تلملم شتات أولئك الذين يشعرون بالإحباط من العقائد القديمة. وكانت العوامل الاجتماعية التي تعزز الإلحاد -الأمن المالي والتعليم- صعبة المنال منذ زمن بعيد للنساء والأشخاص الملونين في الولايات المتحدة.

وقد وجد مركز “بيو للأبحاث” أن المرأة في جميع أنحاء العالم عادةً ما تكون أكثر ميلًا لاعتناق دين، وأكثر ميلًا للصلاة، وترى أن الدين مهم في حياتها. يتغيَّر ذلك عندما يُتاح للمرأة المزيد من الفرص. تقول كونراد هاكيت، من مركز “بيو”: “إن النساء بين صفوف القوة العاملة يشبهن الرجال في ما يتعلق بالدين، بينما عادةً ما تكون النساء غير العاملات أكثر تديُّنًا”، مضيفةً: “قد يكون سبب ذلك انتماءهن إلى جماعة دينية تلتزم بأن قوة المرأة في المنزل”.

وفي افتتاحية نشرت “الواشنطن بوست” مقالة تتناول الانقسامات العرقية بين الملحدين. وأشار سيكيفو هاتشينسون، مؤسس “مجموعة المشككين السود”، إلى أن “عدد الشباب السود واللاتينيين الذين يمكنهم الحصول على تعليم جيد في العلوم والرياضيات، لا يزال منخفضًا للغاية”. وهذا يعني أن لديهم فرصًا اقتصادية أقل وأنهم أقل عرضة للاطلاع على وجهات النظر العالمية التي لا تستلزم وجود إله. فالدين هو المكان المثالي للنساء والملونين والفقراء. بينما تظل العلمانية بطبيعتها مفتوحة للجميع، لكنها ليست دائمًا بهذه الرحابة.

ونجد بعضًا من أكثر الشخصيات البارزة في الحركة الإنسانية ليس معروفًا باحترامه للمرأة؛ فالملحدان البارزان: سام هاريس وريتشارد دوكينز، يحظيان بسمعة سيئة من حيث كره النساء، وكذلك كان الراحل كريستوفر هيتشنز ووبيل مار، الممثل الكوميدي المجاهر بإلحاده، ليس ملاكًا أيضًا.

إن قادة الاتحاد الدولي للملحدين ومؤسسة “دوكينز” ومركز الاستقصاء، الذين تحدثت معهم، كانوا يدركون جيدًا أوجه الخلل الديموغرافي، وهم يعملون على ذلك.. وجميع القادة الذين تحدثت معهم كانوا من النساء. وحتى أصحاب البشرة البيضاء والذكور والمتعلمين قد يخشون وصمة العار التي سوف تلحق بهم في حال حصولهم على لقب “غير مؤمن”. لم يرغب طبيب أسنان أبيض كان في فعالية “السُكر غير الواثق” في التسجيل؛ خوفًا من أن المرضى لن يرغبوا في أن يُعالج أسنانهم ملحد.

تقول مانديسا من مؤسسة “اللادينيين السود”: “لدينا وصمة عار بأننا عدائيون، ومتعجرفون، ونريد فقط استفزاز المتدينين”، وهي تعمل جاهدة على تغيير ذلك، وزيادة ظهور غير مؤمنين ملونين أيضًا. بينما يعتقد طومسون أن التركيبة السكانية للـ”لا منتمين” لا تعكس بدقة عدد غير المؤمنين وتنوعهم؛ إنها تُظهر فقط مَن لا يجدون غضاضة في التصريح بأنهم غير مؤمنين بصوت عالٍ. ويقول: “هناك كثير من الأشخاص الملونين، وهناك كثير من النساء من بين الذين يوصفون بكونهم ملحدين”. “هناك كثير من الناس الذين يواظبون على الذهاب إلى الكنيسة رغم أنهم ملحدون”.

توسيع الصفوف

إن ما يُسمى أحيانًا بالإلحاد الجديد تأسَّس في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. وكانت هناك سنوات من الحرب، عندما وُصف الإسلام باعتباره تهديدًا، وتشبعت السياسة الأمريكية بالمسيحية، خارجيًّا ومحليًّا؛ خصوصًا في المبادرات القائمة على الدين التي تنادي بالتصويت ضد زواج المثليين. ولا يزال عديد من أعضاء السلطة التشريعية في الولايات المتحدة يستخدمون تفسيرًا ضيقًا للأخلاق المسيحية؛ لرفض تقديم الخدمات لمثليي الجنس وتوفير دورات مياه مناسبة للمتحولين جنسيًّا. لكن ردود الفعل الوطنية العنيفة على التشريع الديني أصبحت أسرع وأكثر ضراوة من أي وقت مضى. بينما يبدو أن الأوروبيين عازمون على مواجهة الإسلاموفوبيا والقوى التي يمكن أن تثير التوتر مع “ما دونها سريعة التنامي”.

وبالمقارنة مع المواسم السابقة، أخذ الدين يتراجع في الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية؛ إذ نجد دونالد ترامب ليس متدينًا ظاهريًّا (وأثارت جاذبيته لدى الناخبين الإنجيليين أسئلة حول ديمومة اليمين الديني ودوافعه). كما قالت هيلاري كلينتون إنها “غير معتادة على التصريح حول الدين“. بينما صرَّح بيرني ساندرز بأنه “غير منخرط بشكل فعال” في أي دين.. ويعكس تحفظهم بشأن الدين عن انتمائهم لثاني أكبر مجموعة عقائدية في البلد الذي يأملون في حكمه. وبصرف النظر عن تيد كروز؛ فإن المرشحين الرئيسيين لم يكونوا مستعدين للخوض في الحديث عن الدين. ويبدو أن عدد الأمريكيين الذين يبتغون التدخُّل الإلهي في كشك الاقتراع في انخفاض.

وعلى الرغم من كل الأعمال التي تقوم بها الجماعات العلمانية للتشجيع على قبول غير المؤمنين؛ فإنه ربما لن يوجد شيء بنفس فعالية اللا مبالاة، غير الوقت. ومع نمو جيل الألفية العلماني وإنجابهم أطفالًا، فإن التقليد الوحيد في أيام الآحاد، الذي قد يبقى، هو أن أي شخص في العالم يمكنه الاتفاق بشأن: تناول الإفطار متأخرًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: ناشيونال جيوغرافيك

نشرت بتاريخ 22 أبريل 2016

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة