الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف هددت أحداث 11 سيتمبر الديمقراطية الغربية؟

كيوبوست- ترجمات

ستيفان هيبل – ترجمة إلهام الطالبي

عالم الاجتماع النفسي الألماني؛ جيرد جيجرينزر، يتناول الهوة بين الخوف كشعور والأخطار الفعلية، وكيف يتسبب ذلك في تهديد القيم الجوهرية للديمقراطية الغربية، وكيف نجح الإرهابيون في زرع الخوف في المجتمعات..

* التغيرات المناخية، كورونا، الإرهاب في أفغانستان.. ما هو أكثر شيء يثير مخاوفك؟

– من بين الأخطار التي ذكرتها: ليس الإرهاب، على الأقل ليس هنا في ألمانيا، إذا كنت أعيش في أفغانستان، فقد يكون الأمر مختلفاً. أما كورونا فيجب أن نتعلم كيف نتعايش مع هذا الوباء، أكبر مشكلة بالنسبة لي هي أزمة التغيرات المناخية.

اقرأ أيضاً: القاعدة في الذكرى التاسعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر: جردة حساب

* لماذا نسبة خوفك من الإرهاب تعد الأقلَّ مقارنةً بباقي المخاطر، هل يمكن أن نعتبر أن الخوف الغامض من الإرهاب الذي ساد في مجتمعنا منذ 2011، هو شعور مضلل؟

– تكشف الاستطلاعات قبل كورونا، أن أكثر ما يخافه الألمان هو الإرهاب. حتى عندما يُسألون “ما هو أكثر شيء يخافون من أن يتسبب في فقدان حياتهم ؟” الجواب غالباً: هجوم إرهابي.

لكن الوقائع تقول شيئاً مختلفاً تماماً؛ في السنوات العشر التي سبقت كورونا، كان هناك ما معدله ثلاثة أشخاص سنوياً في ألمانيا الذين قتلوا في هجماتٍ إرهابية، ناجمة عن إسلاميين متطرفين، أو يمينيين أو غيرهم.

بيد أن هناك ما يزيد على 300 شخص يموتون كل عام؛ بسبب سائقين غير منتبهين، أو أشخاص أرادوا إلقاء نظرة على آخر صور للقطط على هواتفهم المحمولة، ولا يستطيعون الانتظار! إليكم الشيء المثير للاهتمام: لماذا نخاف من الأشياء التي من غير المرجح أن تقتلنا؟!

توماس دي ميزير؛ وزير الداخلية 2017 في المشروع التجريبي للتعرف التلقائي على الوجوه في برلين في ذلك الوقت © imago images/photothek

* هذا يدفعنا إلى طرح السؤال، كيف يعمل القلق؟

– لا يمكن أن نعيش بدون خوف، لكن ما نخافه يمكن أن نكتسبه في مسار حياتنا. الشخص البائس الذي قُتل أحباؤه بالفعل في هجوم، يتعلم الخوف من التجربة. لكن تم تصميم علم النفس البشري بطريقة تجعله أكثر عقلانية، إنه من المفيد، أن لا نتعلم الأشياء السلبية من التجربة الشخصية لذلك، فيمكننا التعرف على الأشياء الخطرة دون التعرض للخطر.

* في أي شكل نفعل ذلك؟

– هناك نوعان من المتغيرات؛ الأول هو التعلم الاجتماعي: نحن نخاف الأشياء التي يخافها آباؤنا أو من حولنا أو مما تم تناوله على وسائل الإعلام. والثاني هو التعلم المُعد بيولوجياً: فالشامبانزي الصغير، على سبيل المثال، ليس لديه خوف فطري من الثعابين، لكنه يكتسب ذلك بسرعة، عندما يلاحظ نفس فصيلته، تظهر هذا الخوف، بسبب أنه متأصل فيها.

اقرأ أيضاً: كنوز أثرية نجت من هجمات 11 سبتمبر

* لكن ماذا عن الخوف من الإرهاب؟

– هذا خوف من خطر الصدمة، 11 سبتمبر هو مثال رئيسي على ذلك: حدث غير متوقع، يُقتل فيه الكثير من الناس فجأة. يمكنك أن تلاحظ ما يفعله هذا من الناحية النفسية في حقيقة أن الجميع ما زالوا يعرفون مكانهم في ذلك اليوم.

هذا ما يختلف تمامًا عما يحدث عندما يموت نفس العدد أو أكثر من الأشخاص في كل عام، على سبيل المثال بسبب التدخين. هذا يخيفنا أقل من خوفنا عندما يموت الكثير من الناس معاً فجأة، أي لديه وقع “اجتماعي”.

هجمات 11 سبتمبر عام 2001 التي استهدفت البرجَين التوأمَين في مجمع التجارة العالمي في نيويورك- the conversation

* أليس الخوف من الإرهاب مفهوماً أيضاً لأنه يهدد الناس بشكل عشوائي، على عكس إرهاب “جماعة الجيش الأحمر بألمانية الغربية” قبل 40 أو 50 عاماً والتي كانت تستهدف “النخب” الحكومية والاقتصادية؟

– لا، ليس في ألمانيا. الإرهاب بالطبع مصدر معاناة وموت. لكن لدينا، هو ليس أكثر ما ينبغي الخوف منه. وبرغم من ذلك، وكما كشفت الاستطلاعات أن عدداً كبيراً من الألمان يخافون بشدة من الإرهاب. ويمكن استخدام مخاوفنا لتقويض حقوقنا الديمقراطية بقوانين مكافحة للإرهاب. يعد الحادي عشر من سبتمبر حدثاً رئيسياً في تأجيج المخاوف بما يتجاوز ما هو ضروري ومعقول فيما يتعلق بالإرهاب من أجل السيطرة الاجتماعية على الناس.

* كيف تعمل هذه “الرقابة الاجتماعية”؟

– في حوالي عام 2000، انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً. من بين أمورٍ أخرى، كان هناك تعاون بين وكالة الأمن القومي الأمريكي NSA وجوجل. وهذا مجرد مثال واحد لنظام مراقبة، يتم فيه طمس الخطوط الفاصلة بين الدولة وشركات التكنولوجيا.

اقرأ أيضاً: عشرون عاماً على11 سبتمبر.. 9/11: Inside the President’s War Room

* باعتبارِكَ لستَ من دعاة نظرية المؤامرة، لماذا تعتقد أن السياسة ترغب في ممارسة هذه الرقابة الاجتماعية؟

– هناك إجابات مختلفة جداً وفقاً للمجال الذي تبحث فيه. الصين مثالٌ رئيسي للسيطرة الاجتماعية. حيث يوجد نظام الائتمان الاجتماعي الذي يكافئ الناس أو يعاقبهم وفقًا لسلوكهم، والأغلبية تعتقد أن هذا أمر مقبول وصحيح. أنا حقاً لستُ من مؤيدي المراقبة، ولكن في زمن الجائحة، فقد لوحظ أن الرقمنة والأنظمة الاستبدادية، معاً يمكن أن يساهما بالتأكيد إلى مزيدٍ من الأمان من الفيروس، أكثر مما كان لدينا في بعض الأحيان في المجتمعات الغربية.

* ولكن هناك أيضًا توجه نحو مزيد من المراقبة في الديمقراطيات؟

– هذا صحيح. أحد الأسباب؛ هو عدم امتلاك القدرات لتعامل مع المخاطر. من ناحيةٍ، تتمثل في المبالغة في تقدير خطر الإرهاب مقارنة بالمخاطر الأخرى، ثانياً، يتم أيضاً تقدير احتمالات وعواقب أنظمة المراقبة بشكل خاطئ.

* “تم تقييم احتمالات وعواقب أنظمة المراقبة بشكل خاطئ”.. ماذا تقصد بذلك؟

– سأعطيك مثالاً؛ بعد هجوم برلين في عام 2016، تم اختبار نظام التعرف على ملامح الوجه لمدة عام في محطة قطار سود كرويز. كانت الفكرة أنه يمكن التعرف على التهديد الإرهابي في ألمانيا في محطات القطار. كانت نتيجة الاختبار أن حالة واحدة من كل ألف حالة ستطلق إنذاراً خاطئاً. ووصف وزير الداخلية الاتحادي ذلك بأنه نجاحٌ كبير، وأنه يجب تطبيق النظام في جميع محطات القطارات في ألمانيا.

الدخان يتصاعد من حطام البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي بعد خمسة أيام من الهجوم الإرهابي- “ناشيونال جيوغرافيك”

* أليس محقّاً؟   

– ستكون كارثة، سواء كنت مع المراقبة أو ضدها. في ألمانيا، يتواجد اثنا عشر مليون شخص في محطات القطار كل يوم. وفي حالة معدل إنذار خاطئ يبلغ واحداً في الألف، يجب أن نتوقع حوالي 12,000 نتيجة كاذبة كل يوم. فقط تخيل ما يحدث هناك!

ما هو الثمن! احتجاز 12,000 شخص في اليوم حتى يتم توضيح هوياتهم، وهذا من شأنه أن يجعل شرطتنا مشغولة لدرجة أنها لم تعد قادرة على القيام بالأشياء الأكثر أهمية. ولن يكون الأمن في المستوى المطلوب بل أقل. هذا ما أسميه نقص الوعي بالمخاطر.

* كيف تساهم وسائل الإعلام التقليدية في تغذيةِ التصورات الخاطئة التي تنتقدها؟

– وسائل الإعلام نفسها تستفيد من الخوف من مخاطر الصدمة. يحصلون على الاهتمام، ومتابعات أعلى، أو المزيد من الإصدارات عندما ينشرون تقريراً عن الحادث الإرهابي في الصفحة الأولى. وهذا بدوره يؤدي إلى المبالغة في تقدير الخطر، وهذا يعني أن الإرهابيين يحصلون على مسرحٍ يؤدون فيه. إنهم يعرفون أنهم يحصلون على الشهرة حتى عندما يموتون، وفي النهاية يؤدي ذلك إلى ظهور أشخاص يقلِّدونهم.

اقرأ أيضاً: صحف عالميةالسعودية وقعت ضحية نظريات المؤامرة في قضية هجمات 11 سبتمبر

* إذاً؛ ماذا يجب علينا أن نفعل؟

– وسائل الإعلام في موقفٍ صعب. لكن يجب أن يتحملوا المزيد من المسؤولية. يجب عليك كصحفي الإخبار، ولكن ربما في حيز صغير، وفي الصفحة 6. يجب عليك، كما حدث بالفعل في بعض الحالات، توحيد الجهود والموافقة على تغطية جرائم معينة فقط بشكلٍ عابر.

* هل يمكنك إعطاء مثال على عواقب الإدراك المشوه؟

– بعد 11 سبتمبر 2001 ، توقف كثيرٌ من الناس في الولايات المتحدة عن ركوب الطائرة بدافع الخوف. وماذا فعلوا؟ اتجه الكثير منهم إلى ركوب السيارة. عملتُ على تحليل إحصاءات حركة المرور في العديد من الدراسات، ووجدت أنه في العام الذي أعقب 11 سبتمبر، فقد حوالي 1600 مواطن أمريكي حياتهم على الطريق أكثر من المعتاد خوفًا من مخاطر الطيران.

* لذا فهم ضحايا للإرهاب بطريقةٍ ما؟

– أُسمِّي هذه الضربة الثانية للإرهابيين. بمجرد أن يحققوا العنفَ الجسدي، مثل الطائرات في مركز التجارة العالمي أو بالشاحنة في برلين. لكنهم بعد ذلك يضربون مرة أخرى، بمساعدة خوفنا، وأيضًا من خلال وسائل الإعلام. وهذه الضربة الثانية هي الهدف الحقيقي. لا يهدف معظم الإرهابيين إلى قتل الأفراد، على الرغم من وجود استثناءات. الهدف هو زرع الخوف في نفوس الآخرين، والتسبب في تكاليف باهظة من خلال الضربة الثانية، من الموت إلى المزيد من القيود على الحرية.

جيرد جيجرينزر؛ أستاذ علم النفس ومدير مركز هاردينغ في جامعة بوتسدام، الذي سمي على اسم المؤسس البريطاني ديفيد هاردينغ. هو أيضًا أحد مؤسسي المعهد الخاص “Simply Rational”، الذي يقدم الاستشارة للمؤسسات والشركات بشأن اتخاذ القرار- (الصورة أرني سالتر)

* وهل من أهداف الإرهابيين أن تقوم الديمقراطيات بتفكيك الحقوق المدنية وبالتالي الإضرار بنفسها؟

– على الأقل هذا ما حدث. في الولايات المتحدة، سمحت سلسلة من القوانين لشركات التكنولوجيا المحلية بجمع البيانات على نطاقٍ لم يكن ممكنًا قبل عام 2001، ثم تم نقل هذه البيانات إلى الحكومة. في ألمانيا أيضًا، تم سن قوانين لمكافحة الإرهاب تسمح بمراقبة المواطنين، وتقييد حرياتهم. على الرغم من الوعود بأن تكون محدودة في الوقت المناسب، فلا يزال الكثير منها في مكانه.

* هل هذا قمع ذو مغزى، أم أنه يؤدي في النهاية إلى ما نسميه اضطراب التوتر لدى الفرد؟

– هناك مخاطر مكبوتة. بالكاد نتحدث عن خطر الحرب النووية بعد الآن، ولا يمكن سماع أي شيء تقريباً في الحملة الانتخابية حول الخطر على ديمقراطيتنا من فرض الرقابة الرقمية المتزايدة على الناس، من قبل شركات التكنولوجيا والدولة.

في الثمانينيات، على سبيل المثال، نزل الألمان إلى الشوارع للاحتجاج لأجل حماية خصوصيتهم. اليوم، عندما يسجل تلفزيوننا الذكي، ومنزلنا الذكي، باستمرار، ويبلغان عما نفعله ونقوله، فإننا نتجاهل ذلك أكثر وأكثر.

اقرأ أيضاً: طارق رمضان يستفز الغرب ويصدر كتابًا مثيرًا للجدل في 11 سبتمبر

* ما الذي يمكن عمله إزاء ذلك؟

– علينا أن نبني مجتمعاً يكون فيه الناس على درايةٍ بالمخاطر، وأن يكون رقمياً ومتماثلاً. الأشخاص الذين تعلموا أن يسألوا: ما مدى خطورة المخاطر وكيف تنشأ؟ إن الإرهاب لا يسقط من السماء، بل يحدث جزئياً في تفاعل مع السياسة الغربية.

لذلك ما نحتاجه هو المزيد من الأشخاص الذين يفكرون بشكلٍ مستقل. والسياسيون الذين يمثلون قيماً مثل الحرية، والذين لا يسمحون لأنفسهم بالأحداث 11 سيتمبرقوع في دولةٍ مراقبة خوفاً من الإرهاب. كما قلت، الأمور مختلفة في الصين، والناس هناك يحبون ذلك ويدعمونه. لكن العالم الذي أترك فيه للآخرين يتحكمون بي فقط لحمايتي من الإرهاب، فهذا ليس العالم الذي أريد أن أعيش فيه.

المصدر:  فرانكفورتر روندشاو 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة