الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

أحداث تونس في ميزان الاتحاد الإفريقي.. ترجيح ضمني لكفة الرئيس

الموقف المعتدل للمنظومة الإفريقية يدل على تواصل ثقة المجتمع الدولي في السياسة التونسية وقدرة تونس على التجاوز وإيجاد الحلول بعيداً عن العنف

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

عشر سنوات مَضَت من التجربة التونسية الديمقراطية التي أعقبت إسقاط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، بيد أن النتائج كانت دون طموحات الشعب التونسي؛ فالبلاد شهدت تراجعاً كبيراً على المستوى الاقتصادي، بينما ارتفعت معدلات البطالة، وانشغلت أطراف الحكومة، رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية والبرلمان، في صراعاتٍ نخبوية وُصِفَت بالهوائية، منفصلةً عن الواقع اليومي الذي يعيشه المواطن؛ مما كرَّس حالة من الإحباط وسط جيل الثورة من التغيير، قبل أن يجتاح فيروس كورونا البلاد في الآونة الأخيرة ليزيد الطين بلةً؛ حيث يُرجح أن تبلغ نسبة الانكماش الاقتصادي 4.3% هذا العام، وهذا لم تشهده تونس منذ استقلالها عام 1956.

كل تلك التعقيدات دفعت البلاد إلى حافة الهاوية وشفير الانهيار، كما دفعت الرئيس قيس سعيّد إلى اتخاذ إجراءاتٍ صارمة؛ للحفاظ على كيان الدولة التونسية من التردي؛ حيثُ أعلن، الأحد من الأسبوع الماضي، تجميد أعمال مجلس النواب الذي تسيطر عليه جماعة الإخوان المسلمين ممثلة في حركة النهضة، وإعفاء الوزير الأول المشيشي من منصبه، على أن يتولى الكتَّاب العامون أو المكلفون بالشؤون الإدارية والمالية برئاسة الحكومة والوزارات تصريفَ أعمالها الإدارية والمالية، إلى حين تسمية رئيس جديد للحكومة.

اقرأ أيضاً: كيف تعكس ردود الفعل على أزمة تونس التحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط؟

منحاز ضمنياً

موسى فكي- رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي

وتباينت ردود الفعل الداخلية إزاء إجراءات قيس سعيّد؛ إذ وجدت قراراته دعماً غير مسبوق من الشارع التونسي، كما أيدها الاتحاد التونسي للشغل، أكبر هيئة نقابية في البلاد، ووصفها بالتدابير الاستثنائية.

أما خارجياً فتعددت المواقف بين مؤيدٍ وداعم بحذرٍ ومعارض، إلا أن الموقف الأكثر إثارة للجدل كان موقف مفوضية الاتحاد الإفريقي إزاء الأزمة التونسية؛ فبينما كان بعض المراقبين يتوقعون موقفاً معارضاً، جاء بيان المفوضية أقرب إلى دعم إجراءات قيس سعيّد منه إلى معارضتها، فبعد أن أجرى رئيس مفوضية الاتحاد موسى فكّي محمد، محادثة هاتفية مع وزير خارجية تونس عثمان الجرندي، أصدرت المفوضية بياناً نشرته على موقعها الرسمي، جاء فيه: “إن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، يراقب الوضع في تونس عن كثب. وفي هذا الصدد، أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية تونس، مؤكداً ضرورة الالتزام بالدستور التونسي، والحفاظ على السلام، ورفض جميع أشكال العنف، وتعزيز الحوار السياسي لحل القضايا المطروحة، إضافة إلى الاستجابة للتطلعات المشروعة للشعب التونسي؛ خصوصاً شبابه”.

فتحية دبش

ووصفت الروائية والناشطة الحقوقية التونسية فتحية دبش، في حديثها إلى “كيوبوست”، بيان مفوضية الاتحاد الإفريقي “بالدبلوماسي”، وأضافت: تلك هي مهمة السياسة؛ إذ تحاول قول كل شيء دون أن تقول شيئاً. ومع ذلك فإن عدم تعليق عضوية تونس في الاتحاد، وهو الموقف الصريح للمفوضية حتى الآن، وإن لم تترجمه بنص، يكشف موقفاً ضمنياً منحازاً لقراءة قيس سعيّد، كما تضمَّن البيان إشارة إلى ضرورة احترام الدستور، باعتبار أن ذلك واجب على الجميع؛ ولكن قراءة سعيّد للدستور والفصل 80 تختلف عن قراءة الأحزاب الحاكمة، خصوصاً حزب النهضة، وكلاهما يتحدث عنه، ولكنهما يختلفان حوله.

اقرأ أيضًا: وجهة نظر نقيب الصحفيين التونسيين حول الأزمة الحالية

كلمة الشعب ماضية على الجميع

الشارع يدعم إجراءات الرئيس- وكالات

تستطرد دبش: “كما أسلفتُ القول إن المفوضية لا تجهل الوضع الذي أدَّى إلى هذا الانفجار. ثم إن الدساتير لا توضع من أجل الأحزاب؛ بل من أجل الأوطان، ولذلك فتطبيق الدساتير دون الوعي بالوطن يؤدي إلى كارثة. أما الآن، فإن قيس سعيّد سيجد نفسه مراقباً من الداخل التونسي، والعالم كله، أكثر من أي وقت مضى”؛ فالشعب التونسي قال كلمته ثلاث مرات، مرة حين ثار على ديكتاتورية الحاكم الواحد زين العابدين بن علي، وثانيةً حين منح حزب النهضة أصواته بناءً على ثقة -كانت مفرطة- في نيَّات “النهضة” وتعليق الشعب آماله العريضة على حزب عانى ويلات القمع والتشريد، وثالثةً حين خرج في 25 يوليو مندداً بفشل أداء الأحزاب كلها؛ وعلى رأسها حزب النهضة، وهو الحراك أو الانتفاضة التي استجاب لها قيس سعيّد بقراراته تجميد البرلمان وإقالة مَن أقال.

اقرأ أيضاً: نادية شعبان لـ”كيوبوست”: “النهضة” رفضت تفسير المادة 80 من الدستور بوضوح عند كتابة الدستور التونسي

تواصل دبش: هذا الشعب كما سحب البساط من تحت الأحزاب بناء على فشلها في توفير الحرية والكرامة للجميع، لن يتردد في سحب البساط من تحت قيس سعيّد إن أخطأ تقدير المشهد ولم يتخذ ما يكفل لتونس وحدة شعبها وحريته وترميم التجربة الديمقراطية الناشئة. وأعتقد أن بيان المفوضية يميل إلى الثقة بوعي الشعب التونسي الذي لا تعنيه المعارك الأيديولوجية بقدر ما يعنيه الأداء السياسي للأحزاب الذي ينعكس فشله أو نجاحه من خلال تجليات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي والصحي والحريات والعدالة والكرامة.

بيان لا يدين يعني أنه يؤيد

الحراك التونسي ضد جماعة الإخوان- وكالات

تأييد صامت

من جهته، اعتبر الصحفي والمحلل السياسي عيسى جابلي، مفوضية الاتحاد الإفريقي تؤيِّد القرارات المتَّخذة في تونس التي عبَّر عنها الرئيس سعيّد في 25 يوليو. هو تأييد بالصمت؛ فقد خلا موقفها من عبارات القلق أو الإدانة التي يتبناها حزب حركة النهضة الحاكم وحلفاؤه، الذين تبنَّوا نظرية الانقلاب والمؤامرة الخارجية، وكانت حركة النهضة عنيفة في توصيفها انتفاضة الـخامس والعشرين من يوليو، التي كانت تعبيراً تلقائياً عن غضب الشارع التونسي من سياسات “النهضة” الحاكمة التي تعاملت مع الدولة بوصفها غنيمة وكعكة تغنم منها القسط الأكبر، بينما توزع المتبقي على حلفائها.

ويضيف جابلي، متحدثاً إلى “كيوبوست”: زرعت حركة النهضة أنصارها في مفاصل الدولة وسيطرت على القضاء، وأخرجت أتباعها والموالين لها من السجون، ومكَّنت أنصارها من امتيازات التشغيل والتعويضات على حساب بقية الشعب الغارق في الفقر والبطالة.

وقد تعوَّد التونسيون في احتجاجاتهم السابقة أن يحتجوا أمام الإدارات ومخافر الشرطة وغيرها من مراكز السلطة، غير أنهم هذه المرَّة توجَّهوا إلى مقرات حزب حركة النهضة الحاكم، وفي هذا تعبير عن غضبهم وسخطهم مما ألحقتهم به هذه الحركة من عنف واغتيالات بالتسامح مع الإرهابيين والدفاع عنهم، وما أغرقتهم فيه من قضايا صارت تمس تماسك الدولة في حد ذاتها.

اقرأ أيضًا: هل ينجح سعيد في إصلاح خراب عقد من حكم الإسلاميين بتونس؟

موقف معتدل وحذر

عيسى جابلي

بالنسبة إلى جابلي، فإن موقف “المفوضية” فيه كثيرٌ من الحذر؛ إذ اكتفى بكلامٍ عام يمكن أن يوجَّه إلى أية دولة في العالم في أحداثٍ مشابهة من قبيل الحث على الحفاظ على السلام، ورفض جميع أشكال العنف، وتعزيز الحوار، كما أشار إلى ضرورة تلبية مطالب الشباب المنتفض. وهذا دليل على عمق هذا الموقف؛ لقربه من الساحة السياسية في تونس ووعيه بأزماتها الحقيقية التي يتصدَّر فيها الشباب المعاناة.

يختم جابلي: في اعتقادي أن هذا الموقف المعتدل يدل على تواصل ثقة المجتمع الدولي في السياسة التونسية، وقدرة تونس على التجاوز، وإيجاد الحلول لكل قضاياها بالعقل بعيداً عن العنف، إذا لم تلجأ حركة النهضة إلى تجنيد أنصارها وحشدهم والزج بهم في مواجهة محفوفة المخاطر مع الجيش والأمن، وهما مؤسستان محايدتان؛ وهو السيناريو الذي لا نتمناه كي تظل الصورة التي يحملها المجتمع الدولي عن تونس الجانحة إلى السلم صورة ناصعة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة