الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

أحداث السودان الأخيرة.. كوة جديدة لتسلل الإخوان وعودة الفلول

إزاحة المكون المدني في مجلس السيادة وحل مجلس الوزراء يخلقان واقعاً مثالياً لعودة الجماعة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

رغم أن كثيراً من مراقبي المشهد السياسي السوداني خلال الشهرَين الماضيَين، كانوا يتوقعون نوعاً من التغيير يطول حكومة عبدالله حمدوك والمجلس السيادي؛ فإن أكثر المتشائمين لم يكن ليتوقع هذه التطورات الدرامية التي قلبت الصورة رأساً على عقب، بعد أن أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، الإثنين 25 أكتوبر، حل المجلس الذي يترأسه، كما تم اعتقال العديد من الوزراء وأعضاء في المجلس السيادي ولجنة تفكيك نظام البشير وإزالة التمكين، ورؤساء أحزاب سياسية وناشطين وصحفيين، كما جمَّد عمل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ، وأزاح حكام الولايات من مناصبهم.

اقر أيضاً: فلول الإخوان السودانية.. “حلم مستحيل بالعودة إلى الحكم”

وكان البرهان قد ألغى سبع مواد تمثل العمود الفقري للوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية في السودان، بينما أبقى على اتفاق جوبا للسلام الذي وقعته الحكومة الانتقالية مع عدة حركات مسلحة في 3 أكتوبر 2020، وفرض حالة الطوارئ في عموم البلاد إلى أجل غير مسمى، ووعد بتشكيل حكومة كفاءات موسَّعة في نوفمبر المقبل، وتشكيل المجلس التشريعي رغم أنه ألغى الفقرة الثالثة من المادة 24 الخاصة به من الوثيقة الدستورية.

قفزة في الظلام

إثر ذلك خرجت مظاهرات عارمة، لا تزال مستمرة للتنديد بالخطوة التي اعتبرها كثيرون مغامرة وقفزة في الظلام، في بلد شديد الهشاشة ويمر بمرحلة دقيقة واستثنائية بعد خروجه من عنق زجاجة حكومة الإخوان المسلمين التي أحكمت قبضتها عليه ثلاثين عاماً (1989- 2019)، فأفقرته وأدخلته في عداء مع جواره ومحيطه الإقليمي والعالم بأسره، ووضعته بسوء إدارتها وفسادها واستضافتها ودعمها الجماعات الإرهابية من كل أنحاء العالم في قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ الأمر الذي ترتبت عليه عقوبات اقتصادية قاسية وحصار دولي تضرر منه المواطنون، فهبوا في وجه الجماعة وأطاحوا بها عن السلطة، سبتمبر 2019، في ثورة شعبية عارمة.

مشهد من الاحتجاجات الشعبية تنديداً بالخطوة الانقلابية- وكالات

خطوة البرهان اعتبرتها قوى الثورة وتحالف قوى الحرية والتغيير والكثير من دول العالم انقلاباً عسكرياً مُكتمل الأركان؛ لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى المُكوِّن العسكري في مجلس السيادة المحلول وحلفائه؛ حركتَي العدل والمساواة (إخوان مسلمين)، وتحرير السودان جناح مني أركو مناوي، الذي ظل يدعو إلى الحوار والمُصالحة مع الحزب الحاكم السابق، المؤتمر الوطني (إخوان مسلمين)، فضلاً عن المجلس الأعلى لنظارات البجا بشرق السودان، برئاسة الزعيم القبلي محمد الأمين ترك، المنتمي إلى جماعة الإخوان، والذي ظل يقطع الطريق الرابط بين العاصمة وميناء بورتسودان بعد أن قام هو وأنصاره بإغلاقه بحجة أمور مطلبية متعلقة بالتنمية وضرورة إلغاء مسار شرق السودان في اتفاقية جوبا للسلام، كما ظل يرفض التفاوض مع الحكومة المدنية ويدعو إلى تطبيق ما سُمِّي في حقبة حكم جماعة الإخوان بقوانين الشريعة الإسلامية، ويردد أنه يفعل كل ذلك تحت حماية المكون العسكري بمجلس السيادة الذي يترأسه عبدالفتاح البرهان.

اقرأ أيضاً: بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

عودة الجماعة

عثمان الأسباط

وفي السياق ذاته، يشير الصحفي عثمان الأسباط، في إفادته لـ”كيوبوست”، إلى أن المراقب لداعمي المكون العسكري في مجلس السيادة، وهو امتداد للجنة الأمنية المقربة من عمر البشير؛ بما في ذلك عبدالفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يلحظ بوضوح انتماء معظمهم إلى الجبهة الإسلامية القومية والحركة الإسلامية السودانية (إخوان مسلمين) التي حكمت السودان ثلاثة عقود برئاسة عمر البشير، أو على الأقل كانوا مقربين منها وداعمين لها ومرتبطين بها؛ فرئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، عضو منظم في جماعة الإخوان، وكذلك كل أعضاء حركته. أما رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، ورغم أنه لا يُعرف له انتماء سابق للجماعة؛ فإنه من أكثر الداعين إلى عودة الإخوان والتصالح معهم، وقد انضمت كوادر كثيرة من منسوبي النظام السابق إلى حركته في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى ظهور الطاقم الإعلامي الفعَّال في جماعة الإخوان، النظام البائد، مؤيداً لانقلاب عبدالفتاح البرهان، بعد أن أطلقوا عليه خطوة تصحيحية، وعودة إلى منصة التأسيس، ومن أبرز هؤلاء الإعلامي الذي كان يُسمى ببوق نظام البشير، الطاهر حسن التوم، ومالك قناة “أم درمان” الفضائية وصحيفة “ألوان” وإذاعة “المساء”، الإخواني حسين خوجلي، ومالك صحيفة “المجهر” السياسي الهندي عز الدين، والإخواني الصوارمي خالد سعد، الناطق الرسمي السابق للقوات المسلحة، والإخواني أُبّي عز الدين، المتحدث الأسبق باسم الخارجية السودانية، وعشرات الأسماء الإعلامية الإخوانية التي عادت بشكل مرتب ومنظم إلى شاشات الفضائيات العربية والأجنبية مدافعةً عن انقلاب عبدالفتاح البرهان، باعتباره خطوة مهمة وتصحيحية؛ الأمر الذي أثار حفيظة الشارع السوداني الذي اعتبر أن ما يحدث هو مدخل لعودة الجماعة المحظورة من العمل السياسي لعشرة أعوام، والتي حكمت السودان بالحديد والنار ثلاثة عقود.

اقرأ أيضاً: بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

جانب من اعتصام مؤيدي حل حكومة عبدالله حمدوك بالقرب من القصر الجمهوري- وكالات

اعتصام الفلول

يلاحظ الأسباط أن ما عُرف باعتصام القصر، الذي نُظِّم منذ 6 أكتوبر الجاري، لم يكن يضم مؤيدي المكوِّن العسكري بمجلس السيادة فقط؛ بل كان واضحاً للجميع الوجود الكبير لكوادر الحركة الإسلامية بالسودان وحزب المؤتمر الوطني المحظور في كل تفاصيل الاعتصام؛ من لجنته التنظيمية إلى منصته الإعلامية إلى المروجين له وداعميه في وسائل التواصل الاجتماعي، ما سبب خشية كبيرة وسط السودانيين بأن ثمة خدعة ماكرة تُحاك في الخفاء هدفها الرئيس خداع الشعب ودول الجوار والمحيط الإقليمي والدولي بأن ما يحدث محض ترتيبات روتينية في البيت الداخلي لحكومة المرحلة الانتقالية، بينما تشي كل المؤشرات بأن إعادة الجماعة إلى الواجهة تحت لافتات أخرى هو الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة، وذلك على غرار نفس الخدعة التي ضلل بها عراب جماعة الإخوان المسلمين حسن عبدالله الترابي، دولَ الجوار الإقليمي والمجتمعَ الدولي، عندما قال لتلميذه العميد عمر البشير، حينها، بعد أن قرر استدعائه لتنفيذ الانقلاب “سأذهب إلى السجن حبيساً، وستذهب إلى القصر رئيساً”، وبالفعل انطلت الخدعة ووجد الانقلاب دعماً إقليمياً مقدراً، حتى إذا ما اكتشف الجميع الحقيقة عَضُّوا أصابع الندم، وفقاً للأسباط.

اقرأ أيضاً: عناصر جماعة الإخوان.. ثورة مضادة كامنة في مفاصل الدولة السودانية 

خالدة ود المدني

من جهتها، اعتبرت الصحفية خالدة ود المدني، أن إمكانية تسلل فلول النظام السابق من جماعة الإخوان، مستغلين الأوضاع التي خلَّفها ما أطلقت عليه انقلاب البرهان والفلول، ليست واردة فحسب؛ بل حقيقة ماثلة يعرفها كل الشعب السوداني، حتى إن منسوبي الجماعة عبروا عن فرحتهم وتبادلوا التهاني من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن بغض النظر عن ذلك، فإن إزاحة المكون المدني في مجلس السيادة وحل مجلس الوزراء يخلقان واقعاً مثالياً لعودة الجماعة؛ بسبب نقص الخبرة السياسية للمكون العسكري والداعين له في مقارعة منسوبي جماعة الإخوان بما يتملكون من خبرات سياسية وتجربة طويلة في ممارسة الحكم والخداع والتضليل والقدرة على الالتفاف وسرقة الثورات، وما يُسهِّل عليهم المهمة هو حاجة المكون العسكري الماسَّة إلى حاضنة سياسية جديدة، ديناميكية وفعالة، بعد إطاحته بحاضنته القديمة من المدنيين العلمانيين؛ وهو ما لا يتوفر في منسوبي الحركات المسلحة وأبناء القبائل الذين يلتفون حوله الآن.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة