الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

“أجسادنا.. معاركهم.. ما الذي تفعله الحروب بالنساء؟”

شهادة توثيقية عن ضحايا لا صوت لهن

كيوبوست 

هذا كتابٌ مُوجع، ويحفر عميقاً في ذهن القارئ بعد الفراغ منه. تتوالى سطوره وفصوله في تأريخ دقيق لظاهرة اغتصاب النساء في الحروب. في بداية الكتاب، تذكر كاتبته الصحفية الأمريكية كريستينا لامب، أن “الاغتصاب هو أرخص سلاح مارسه الإنسان في الحروب.. وهو كذلك من أقدمها”. ففي التوراة مثلاً هناك حثّ للرجال على: “إن شاهدتم امرأة جميلة.. لا تترددوا.. خذوها”. وفي موضعٍ آخر من الكتاب، تؤكد الكاتبة بنبرة درامية مبررة: “يجب أن يُعتبر اكتشاف الرجل لقابلية استخدام أعضائه التناسلية كسلاحٍ فعال لتوليد الرعب، باعتباره أحد أهم أحداث العصور القديمة، بجانب استخدام النار، واختراع أدوات الزراعة كالفأس الحجرية”. المحزن والتراجيدي هنا أن سرديات التاريخ التي يكتبها في العادة المنتصرون، وكذلك مُلاَّك السلطة أياً كان تمظهرها -سياسية، دينية، محافظة، تقدمية- لا تسجل أصوات وتأوهات ضحايا العنف الجنسي، رغم حتمية وقوعه ورغم كثرة الضحايا والتراجيديا العدمية المُحيطة بحياة الضحايا ما بعد اغتصابهن.

بحر من قصص الألم

نقابل مُنيرة، وهي من لاجئات الروهينغيا، وقد تعرضت إلى الاغتصاب على يد خمسة جنود من جيش ماينمار، وبعد ذلك عندما ركضت خارجة من خيمتها وجدت ابنها الصغير ذا الأعوام الثمانية، وفي ظهره طلقة، الطفل كان متوجهاً نحو الخيمة.

نقابل طفلة من الكونغو في الخامسة من عمرها، وقد تعرضت إلى اختطافٍ واغتصاب متكرر؛ لأن: “ماما لم تغلق الباب بشكل جيد”.

اقرأ أيضًا: نساء إيرانيات يكسرن “محرمات” الاغتصاب على الشبكات الاجتماعية

نقابل إستر من نيجيريا، التي تعرضت ابنتها إلى الاختطاف على يد ميليشيات “بوكو حرام”؛ الاختطاف استمر لمدة عامَين، وبعد أن انتهت المأساة بعودة البنت إلى حضن أمها، كانت الأم قد كبرت فجأة عشرة أعوام: “لا أستطيع النوم، أو التنفس؛ كنت أعبر أربع قرى كل يوم لكي أصل إلى الكنيسة، وأدعو الرب أن يُعيدها إليَّ”.

نقابل فيكتوريا وسيرافينا، أختَين من قبيلة التوتسي في رواندا، وهما تتحدثان بتفاصيل فوتوغرافية كاشفة عن معاناتهما في ذروة الحرب الأهلية عام 1994 التي شهدت قتل ثمانمئة ألفٍ من التوتسي خلال مئة يوم فقط.

مؤلفة الكتاب: الصحفية الأمريكية كريستينا لامب

لماذا الاغتصاب؟

إحدى الإجابات التي تقدمها لامب، تكشف عن الرابط العميق بين الاغتصاب والعار؛ الأمر لا يعزو إلى شبق جنسي بقدر ما هو مرتبط بالرغبة في شرخ احترام الضحية لنفسها، وإلحاق وصمة ذل أبدية بعائلتها ومجتمعها. تقول لامب إن الجانب البدني من الاغتصاب قابل للعلاج؛ لكن ما يبقى مطولاً هو الجانب السيكولوجي والعاطفي والاجتماعي.

اقرأ أيضًا: المرأة مهددة بالسجن والاغتصاب والقتل في تركيا!

العار ليس مجرد طلقة نفسية توجه ضد نساء العدو؛ بل هو استراتيجية يتم التخطيط لها بعناية، بغرض تحقيق أهداف سياسية وعقائدية واقتصادية وإعلامية، ولا يوجد أنجح من تنظيم داعش في توظيف هذه الاستراتيجية. تذكر لامب أنها جالت في شمال العراق، وقابلت العشرات من النساء الإيزيديات اللاتي تُفصح إجاباتهن عن أن ما تعرضن إليه لم يكن عفوياً أو حدثاً عابراً.

إجابة أخرى تقدمها لامب، وقد تبدو غريبة بعض الشيء، هي رغبة الرجال المُغتصبين في خلق وشائج رفاقية وثيقة بينهم. عندما تكون جندياً في أرض معركة شاسعة مع رفاق لا تعرفهم، فإن أسرع وسيلة لخلق الثقة في بعض الأحيان -كما يراها العقل الذكوري السام- هي امرأة العدو، انتهاك كيانها وكسرها جماعياً.

إيزيديات يشاركن في احتفالية لتخليد ذكرى النساء اللاتي تعرضن إلى الاغتصاب على يد الدواعش

أسباب للتفاؤل والتشاؤم

تنهي لامب كتابها بنبرة متفائلة بعض الشيء؛ فهناك أسباب قد تدفع نحو تخفيف هذه الظاهرة على المدى الطويل، ومنها زيادة أعداد النساء في الجيوش، ثلث عدد جيش الدفاع الإسرائيلي من النساء -وهو ما يفسر حسب لامب ندرة حوادث الاغتصاب الإسرائيلية ضد الفلسطينيات- كما أن مراجعة التشريعات الدولية الخاصة بالحروب، وتغليظ العقوبات المتعلقة ضد انتهاك النساء، لا تزال طريقاً طويلاً؛ ولكن البداية أتت بعد نهاية الحرب الأهلية اليوغسلافية في تسعينيات القرن الماضي.

أما التشاؤم فمصدره رسوخ الطبائع الذهنية والعادات المجتمعية، السلبية، ضد المرأة المغتصبة؛ فلا تزال ثقافات الشرق والغرب تعامل الجلاد والضحية بمعايير مُختلة يتضح فيها احترام القوة على حساب الحق. قابلت لامب قادة سياسيين وضباطاً عسكريين كُثراً يعيشون حياةً مُرفهة في باريس ولندن؛ وهم ممن خططوا وشاركوا في عمليات الاغتصاب، في مواطنهم الأصلية؛ في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: مقابلة خاصة: كاتب إيزيدي يروي تفاصيل جرائم داعش بحق الإيزيديات

كما أن الوصمة التي تلاحق الاغتصاب والنساء لا تزال عصية على الانكسار أمام موجات الوعي العالمي؛ ففي الفلبين أصدر الرئيس الشعبوي رودريغو دويرتو، أمراً بإزالة نصب تذكاري عن الاستعباد الجنسي الذي تعرضت له نساء البلاد خلال حروب الماضي؛ لأن: “الأمر غير لائق ويشوه سمعة الفلبين أمام العالم”.

ولا يزال صمت النساء وعدم توثيق ما يحصل لهن هو من أكثر الأسباب التي تُطيل معاناتهن، وكما يذكر نقش تذكاري في متحف استقلال بنغلاديش: “لم يتم قط حفظ أية وثائق تسجل معاناة قرابة 200,000 -400,000 اللاتي تعرضن إلى الاغتصاب على يد جنود الجيش الباكستاني”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات