الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالات

أبناء زايد.. من الدولة الواحدة إلى الدولة الموحدة

كيوبوست

عادل مرزوق♦

في خطوة متوقعة، وبموجب المادة 51 من الدستور، انتخب المجلس الأعلى للاتحاد في الإمارات (السلطة الدستورية العليا) الشيخَ محمد بن زايد آل نهيان، (61 عاماً)، رئيساً لدولة الإمارات، بعد وفاة أخيه الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. وبذلك، يكون الشيخ محمد بن زايد هو الرئيس الثالث للإمارات منذ تأسيسها في عام 1971م، وهو أيضاً حاكم إمارة أبوظبي، الإمارة الأكبر مساحةً والأكثر ثراءً؛ وهي الإمارة التي جرى العرف في أن يتولى حاكمها رئاسة الاتحاد.

ويدشن انتخاب الشيخ محمد بن زايد مرحلة جديدة في تاريخ الإمارات بعد سنوات من اضطلاعه بمسؤوليات قيادية عدة داخل الدولة؛ خصوصاً بعد تعرض الرئيس الراحل الشيخ خليفة بن زايد، إلى عارض صحي منذ عام 2014، وهو الدور الذي جعل من الشيخ محمد بن زايد أحد أبرز وأهم صُناع السياسات في المنطقة.

اقرأ أيضًا: محمد بن زايد… الرئيس الثالث للإمارات العربية المتحدة

قبل الخوض في أهم ملامح العهد الجديد، يجدر بنا الالتفات إلى أهم مخرجات عهد الراحل الشيخ خليفة بن زايد؛ حيث تُمثل مأسسة الاتحاد الإماراتي ونهوض الدولة الاقتصادي أهم منجزاتها. ولئن كانت ركائز الاتحاد بين الإمارات السبع وثيقة منذ عهد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، (توفي عام 2004م)؛ إلا أن المهمة الأصعب، كانت في الانتقال باتحاد الإمارات من مجرد حالة توافقية بين 7 إمارات اختارت الانضمام في دولة واحدة مع بقاء التمايزات والسياسات الداخلية داخل كل إمارة فاعلة وملحوظة، إلى دولة موحدة وحديثة، تتوحد فيها السياسات وبرامج العمل المؤسساتية في مسار واحد محمول في كيان مؤسسي صلب وفاعل. معادلةٌ صعبةٌ بين المحافظة على استقلالية القرار الداخلي في كل إمارة بالتوازي مع اتساق وتوافق سلطات هذه الحكومات المحلية وسياساتها مع مشروع الدولة الاتحادية الصاعدة. 

الشيخ خليفة بن زايد

لعب عهد الشيخ خليفة بن زايد دوراً استثنائياً في إنجاز هذه المهمة، متجاوزاً تحديات داخلية وخارجية عدة؛ منها ما كان يرتبط بيوميات وتطورات الصراعات السياسية والأيديولوجية في المنطقة، وبالخصوص صعود قوى الإسلام السياسي المتطرفة التي رأت الإمارات فيها تحدياً وجودياً لأمنها واستقرارها. ومنها ما هو اقتصادي، كأزمة أسعار النفط العالمية عام 2008. وقتئذ، لعبت إمارة أبوظبي، تحت مظلة خليفة بن زايد، دوراً حاسماً في الحفاظ على الملاءة المالية للاتحاد وبقية إماراته الست.

اقرأ أيضًا: رحيل الشيخ خليفة بن زايد نهاية حقبة

سياسياً، كان تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في الإمارات؛ بدءاً من عام 2003 ووصولاً إلى معترك عام 2011، منعطفاً حاسماً في عهد الشيخ خليفة بن زايد، وسياسات الدولة الداخلية والخارجية، ليس فقط على مستوى المعالجات الأمنية وحسب؛ بل بما يتصل أيضاً ببرهنة الاتحاد على مدى قوته وصلابته. حيث أدركت أبوظبي أن التفاعل مع المتغيرات والمستجدات خارج حدودها، والتأثير فيها، هو خيار لا مفر منه؛ للحفاظ على استقرار الدولة وضمان مصالحها.

نتيجة لذلك، عزز عهد الشيخ خليفة بن زايد من حضور الدبلوماسية الإماراتية ونفوذها في العواصم العربية الغربية، ولعبت الإمارات أدواراً سياسية وعسكرية في عدة ملفات إقليمية ودولية. الأهم من ذلك، هو أنها باشرت في تأسيس تحالف سياسي واقتصادي وعسكري وثيق مع كل من السعودية ومصر والبحرين؛ لتتبنى مساراً سياسياً مغايراً ومشروعاً جديداً يُزاحم بقية المشروعات الإقليمية. هذه التحولات في السياسات الخارجية للإمارات كانت تحتاج، مدفوعة بنجاح الدولة، إلى تحقيق نمو اقتصادي بالتوازي مع زيادة الإنفاق على المؤسسة العسكرية وتحديثها.

الشيخ خليفة مع الشيخ محمد في لقاء سابق – أرشيف

اقتصادياً، حققت السياسات المالية لحكومات عهد الشيخ خليفة بن زايد، قفزات مطردة انتقلت بمجموع الناتج المحلي للإمارات من 174 مليار دولار في عام 2004 إلى نحو 422 مليار دولار في عام 2021. كما صعدت قيمة أصول صناديق الإمارات السيادية (تحتل المرتبة الأولى عربياً) مجتمعة إلى نحو 1.4 تريليون دولار، وتستحوذ إمارة أبوظبي منفردة على ثلاثة أرباع هذه الأصول. أتاحت هذه الملاءة المالية للإمارات القدرة على اعتماد سياسات تنموية طموحة في الداخل، بالإضافة إلى توسيع نفوذها الدولي، سياسياً واقتصادياً.

في الجانب العسكري، قادت سياسات إصلاحية جذرية داخل مؤسسة الجيش إلى أن يعتبر الجيش الإماراتي اليوم الأفضل أداءً وكفاءة بين جيوش دول مجلس التعاون الخليجي. ولا ترتبط كفاءة هذا الجيش بمستوى الإنفاق (يقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن الإنفاق في عام 2017 بنحو 30 مليار دولار)؛ بل أيضاً بمستويات التدريب والتأهيل والإدارة وجودة التسليح.

اقرأ أيضًا: خليفة المكارم في ذمة الله

العهد الجديد.. محمد بن زايد

يواجه العهد الجديد في الإمارات برئاسة الشيخ محمد بن زايد، مهام وتحديات عدة؛ خصوصاً في ما يتعلق بضبط إيقاع السياسة الخارجية للدولة في عالم جديد، متعدد الأقطاب، تُهدده الصراعات ومشروعات مد النفوذ المحتدمة بين دول المنطقة واللاعبين الدوليين. في السياق ذاته، من المتوقع أن تستمر الإمارات في سياساتها الخارجية بديناميكية وتسارع ملحوظَين مع التركيز على ثوابت الدولة في علاقاتها الخارجية من جهة، وفي توثيق مشروع المصالحات السياسية مع كل من تركيا وقطر وإيران، وتعزيز تحالفها الاستراتيجي مع السعودية من جهة أخرى.

داخلياً، من المتوقع أن تكون للعهد الجديد مبادرات داخلية واسعة النطاق، بعضها أمني وسياسي يستجيب لتدشين مرحلة جديدة في الدولة، بينما يركز البعض الآخر على مجالات التنمية المستدامة والإسكان وتحديث الدولة مع استكمال الإصلاح الإداري في مؤسساتها وهياكلها.

الشيخ محمد بن زايد

على مستوى الإصلاح الاقتصادي، يمثل تنويع مصادر الدخل ومجالات الاقتصاد، في بيئة اقتصادية خليجية تنافسية لا تكاملية، تحدياً استراتيجياً أمام القيادة الإماراتية الجديدة. ولئن كان أداء الاقتصاد الإماراتي لافتاً خلال السنوات الماضية؛ إلا أن الإنفاق الحكومي لا يزال المحرك الأساسي للاقتصاد، وهو ما يتطلب المزيد من التحديث والتطوير والأفكار الخلاقة في تنويع مصادر الدخل وتوسيع دور القطاع الخاص ومساهمته الاقتصادية.

في خضم هذه التوقعات، يجدر الالتفات إلى أن شخصية الشيخ محمد بن زايد والكاريزما التي تميزه ستلعب دوراً فارقاً في المرحلة المقبلة، وهو ما سيسلط الضوء على الإمارات أكثر من أي وقت مضى.    

♦رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عادل مرزوق

رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

مقالات ذات صلة