الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

آية الله الخميني لم يقرأ كتاب سلمان رشدي

كيوبوست- ترجمة

روبن رايت♦

آية الله الخميني لم يقرأ قط كتاب “آيات شيطانية” لسلمان رشدي، هذا ما قاله لي ابنه أحمد، في طهران في أوائل التسعينيات.

كانت فتوى الزعيم الإيراني -القاتلة- ضد الكاتب الأمريكي- البريطاني تحركاً سياسياً؛ لاستغلال الغضب العارم في باكستان والهند، وغيرهما من الدول، بشأن سلسلة من الأحلام الخيالية، تتعلق بالنبي محمد. اعتبر بعض المسلمين أن فقرات الكتاب التي صورت ضعف الإنسان ومست بمصداقية النبي محمد، كانت كفراً.

اقرأ أيضاً: الهجوم على رشدي يستحضر مقتل مترجم روايته الياباني عام 1991

كان ذلك دهاءً من آية الله؛ فالجمهورية الإسلامية الفتية كانت قد خرجت لتوها من تحديات وجودية: حرب مع العراق استمرت ثماني سنوات وتركت ما لا يقل عن مليون ضحية، واستياء داخلي واسع النطاق، وخلافات سياسية عميقة بين رجال الدين، واقتصاد منهك، وسنوات من العزلة الدبلوماسية. أفتى الخميني بقتل رشدي ومحرري كتابه وناشريه بأية لغة كانت، ودعا المسلمين الشجعان أينما كانوا إلى قتلهم دون تأخير؛ حتى لا يجرؤ أحد على إهانة المعتقدات المقدسة للمسلمين. وجاء في الفتوى أن مَن يُقتل أثناء محاولة تنفيذها يكون شهيداً، ويذهب إلى الجنة فوراً. وعرضت إيران مكافأة وصلت إلى ثلاثة ملايين دولار.

غالباً ما استفاد الخميني من القضايا التي صرفت انتباه الجمهور عن مشكلات الثورة وإخفاقاتها؛ لقد فعل الشيء نفسه بعد أن احتلَّ الطلاب سفارة الولايات المتحدة في طهران، عام 1979. في أعقاب الإطاحة بالشاه، انقسم الإيرانيون حول مستقبل إيران السياسي، ووضع دستور البلاد الجديد، وسلطات رجال الدين -وصلت هذه الانقسامات إلى أن قتل بعضهم بعضاً- وفي حينها وفرت السفارة أداة مفيدة للغاية. صرح ثلاثة من قادة الطلاب -في وقت لاحق- بأنهم خططوا لاحتلال السفارة لثلاثة أيام فقط؛ للاحتجاج على قرار الولايات المتحدة استقبال الشاه المريض لتلقي العلاج، لكن الخميني ظهر على التليفزيون الوطني وشجع الطلاب على البقاء فيها إلى أجل غير مسمى. وبعد مئة وأربعة وأربعين يوماً، وافق على إخلاء السفارة؛ عندما أصبح ذلك ملائماً له سياسياً، ولنظامه مالياً.

طلاب إيرانيون يقتحمون مبنى السفارة الأمريكية في طهران عام 1979- أرشيف

وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى سلمان رشدي؛ فقد تزامنت الفتوى -التي تأخرت ستة أشهر بعد نشر الرواية- مع أزمة سياسية داخلية حادة؛ هي انقسام الدائرة المقربة من الخميني بزعامة آية الله علي منتظري؛ خليفة الخميني المختار، الذي كان يمثل فصيلاً ذا عقلية إصلاحية، يدفع باتجاه تحول إيران من مجتمع ثوري إلى دولة طبيعية، تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون. وقد حذر منتظري -في حينه- من الفتوى، وقال: “إن الناس في العالم ينظرون إلينا على أن عملنا في إيران هو قتل الناس فقط”.

بعد أربعة أشهر من فتوى قتل رشدي، توفي الخميني عن ستة وثمانين عاماً، تاركاً إيران تتخبط في غياب خليفة رسمي، وفي تداعيات فتوى تسببت في أزمة دبلوماسية مع العالم، استمرت عقداً من الزمن. واليوم، وبعد ثلاثين عاماً، لا تزال هذه الفتوى تشكل نقطة خلاف داخلية في إيران، وأداة سياسية يستخدمها قادتها المتشددون.

اقرأ أيضاً: ردود أفعال الإيرانيين على الهجوم على سلمان رشدي تتراوح بين الإشادة والقلق

لم تكن هنالك علاقة -مباشرة أو غير مباشرة- بين إيرانوهادي مطر؛ الشاب الأمريكي المولد، الذي أقدم على طعن رشدي؛ ولكن حسابات مطر على وسائل التواصل كانت تظهر دعمه لإيران و”حزب الله”، كما أنه كان يحمل رخصة قيادة مزورة باسم حسن مغنية؛ لاحظ الخبراء أنها تجمع بين الاسم الأول لنصر الله والاسم الثاني لعماد مغنية، القائد العسكري في “حزب الله”، المرتبط بتفجير انتحاري أودى بحياة أكثر من مئتي جندي من مشاة البحرية الأمريكية في الثمانينيات.

في عام 1989، قال الرئيس الإيراني خاتمي، في لقاء مع صحفيين في الأمم المتحدة: “يجب أن نعتبر أن قضية سلمان رشدي قد انتهت تماماً”. وبحلول هذا الصيف، اعتقد رشدي -وكذلك وكالات المخابرات الأمريكية والأوروبية- أن تهديد الفتوى قد تضاءل، وعاد رشدي إلى الظهور في الأماكن العامة، دون حماية ظاهرة. وقد تحدث من منبر تشتوكوا، حيث وقع الهجوم، مرات عديدة؛ كان بعضها عن إيران وعن الصراع بين إصلاحييها ومتشدديها.

إيران تلقي باللوم على الكاتب ومؤيديه في عملية الطعن- “بي بي سي”

ومع ذلك، لم يتنصل رجال الدين المتشددون في إيران من فتوى الخميني، فعندما سُئل المرشد الأعلى الحالي، آية الله علي خامنئي، عن الفتوى، قال: “لا تزال الفتوى كما أصدرها الإمام الخميني”. وقبل خمسة أيام من الاعتداء على رشدي، أعادت وسيلة إخبارية إيرانية نشر الفتوى، كما رحب موقع “إيران أونلاين” بالحكم على رشدي بالإعدام. الآن وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً، ها هو رشدي يواجه كابوس الموت، الذي لن يتركه أبداً. وبعد ساعات من الهجوم رحبت العديد من الصحف الإيرانية به، ووصفته بالعمل الشجاع.

تزامن الهجوم المروع على رشدي مع إعلان وزارة العدل الأمريكية اتهامها عضو الحرس الثوري الإيراني، شاهرام بورصافين، بالتخطيط لاغتيال مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون. كما تزامن مع العد التنازلي للدبلوماسية بشأن إحياء الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب عام 2018. وبغض النظر عن دوافع مطر، أو علاقته بإيران أو وكلائها، فإن الهجوم على رشدي، أحد أشهر الكتاب في العالم، قد سلَّط الضوءَ على التوترات التي لا تزال تتخلل الكثير من سياسات وتكتيكات إيران الثورية.

♦مؤلفة وكاتبة عمود في صحيفة “ذا نيويوركر”.

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة