الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

“آيا صوفيا” وحماقة أردوغان!

كيوبوست – ترجمات

د.دينيس ساموت♦

إن قرار الحكومة التركية بتغيير وضع “آيا صوفيا” في إسطنبول من متحف إلى مسجد، في خضم محاربة جائحة كورونا وجميع عواقبها الاقتصادية، ليس أقل من “مُتاجرة” رخيصة إلى شعبوية ضيقة الأفق.

وربما لا يوجد مبنى أكثر شهرة في العالم من “آيا صوفيا”. وكان لعدة قرون محور الإمبراطورية البيزنطية والخلَف المباشر للإمبراطورية الرومانية في الشرق. فهنا تُوِّج الأباطرة البيزنطيون، وهنا اجتمع أهل القسطنطينية عشية سقوط مدينتهم في أيدي الأتراك العثمانيين عام 1453. وقد هز هذا الحدث العالم المسيحي، وربما هزه أيضاً بسبب الخمول الذي هبط به خلال العصور المظلمة لأوروبا.

ولم يحرق محمد الثاني، السلطان العثماني الذي احتل القسطنطينية (أُعيد تسميتها إلى إسطنبول) كنيسة “آيا صوفيا”، كما فعل بعض الفاتحين الآخرين مع الأماكن المسيحية المقدسة قبل ذلك، وحولها بدلاً من ذلك إلى مسجد وترك الرموز الإسلامية والهندسة المعمارية؛ بما في ذلك أربع مآذن، حيث تمتزج مع الرموز المسيحية، وهي علامة ربما على ما ستصبح عليه إسطنبول (في ذلك الوقت) من بوتقة تنصهر فيها الأديان والثقافات والتقاليد والناس.

اقرأ أيضًا: تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد.. سابقة تاريخية تنتهك التراث الإنساني

وفي حين بقيت بطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية قائمة في ظل الحكم العثماني ومن بعده الجمهورية التركية، فإنها لم تسترجع “آيا صوفيا” قط إلى كنيسة. ومع ذلك، وفي عام 1932، اعترفت الحكومة العلمانية لتركيا الحديثة تحت حكم كمال أتاتورك بـ”آيا صوفيا” بما كانت عليه كرمز للمسيحية والإسلام، وكيف تصادما وامتزجا معاً. وقام بتحويل المبنى إلى متحف.

ومنذ ذلك الحين، يزور الملايين ذلك المبنى كل عام؛ سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم يهوداً، وكذلك أشخاص من معتقدات أخرى. ولا شيء يذهلهم سوى العمارة وشعور التاريخ الذي يسيطر عليك حتماً عند دخولك المبنى. فهو يبقى صرحاً فريداً وقوياً لكل من جماله وتاريخه، ولهذا أصبح رمزاً.

أداء الصلاة في ساحة “آيا صوفيا” في إسطنبول.. تركيا 10 يوليو 2020- وكالة الأناضول

ويأتي تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد من قِبل حكومة أردوغان كلفتة غزو، وتقليد لخطوات السلطان محمد الثاني. ولكن في حين غزا محمد الثاني خليفة الإمبراطورية الرومانية، ويمكن أن يبرر أفعاله على حقيقة أنه لم يكن هناك مساجد في إسطنبول التي غزاها، يبدو أن تصرف أردوغان هو انتصار باهظ الثمن ولا يمكن تبريره ببعض الحاجة الملحة لتوفير مكان للصلاة لمسلمي إسطنبول. فهناك المئات من المساجد؛ بعضها أكبر وربما أكثر جمالية من “آيا صوفيا”. وقامت حكومة الرئيس أردوغان ببناء عشرات المساجد الأخرى، لذا ليس الأمر كما لو أن مسلمي إسطنبول بحاجة إلى مكان للصلاة.

فسبب التغيير للأسف أكثر من تافه. وقد يطمح أردوغان، الذي وصفه البعض بالفعل بأنه السلطان المعاصر؛ بسبب السلطات الكاسحة التي اقتنصها لنفسه، إلى أن يصبح أيضاً خليفة عصرياً يتطلع إليه جميع المسلمين في القيادة والتوجيه. وكانت هناك حاجة لافتة إلى تمييز هذا، ومن المفترض أن تكون عودة “آيا صوفيا” كمكان للصلاة الإسلامية. ومن غير المرجح أن يجدي ذلك، ويبدو هذا في الواقع أشبه بقيام أردوغان بإطلاق النار على قدمه بدلاً من عمل حراك حقيقي في الفن السياسي الذي اكتسب من أجله سمعة مبررة على مر السنين.

 اقرأ أيضًا: آيا صوفيا: متحف أم كنيسة أم مسجد؟

وعلى الصعيد المحلي، سوف تُرضي هذه الخطوة بعض المتشددين في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يقوده أردوغان. ولكن حتى داخل هذا الحزب، هناك الكثير ممن يعتقدون أن عملية أسلمة تركيا قد ذهبت بعيداً. وبعض الإجراءات المبكرة التي اتخذها حزب العدالة والتنمية عندما وصل إلى السلطة، مثل تمكين الشابات اللواتي يرتدين الحجاب من الالتحاق بالجامعة -وهو أمر تم منعهن منه بموجب القواعد العلمانية الصارمة- وكبح جماح الجنرالات الذين عادة يمزجون واجباتهم العسكرية مع السياسة والأعمال، حققت دعماً وطنياً واسع النطاق.

قال البابا فرنسيس إنه تأذى من قرار تركيا تحويل متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد.. وذلك خلال عظة الأحد في ساحة القديس بطرس- الفاتيكان يوليو 2020- وكالات

لكن معظم المسلمين الأتراك هم من النوع المتسامح، ولا يرون الحاجة إلى وجود مفرط للدين في الحياة العامة، ولا يرون القرار على أنه انتصار، بل على أنه إحراج. وبالنسبة إلى العلمانيين وأتباع الأديان الأخرى، فإن القرار بشأن “آيا صوفيا” هو صفعة صريحة على الوجه.

وعلى صعيد الخارج، ستكون لهذه الخطوة عواقب أوسع نطاقاً. فتحت حكم أردوغان، حصلت تركيا على نصيبها العادل من الجدل مع الحلفاء والجيران، ولكن تم النظر إلى ذلك إلى حد كبير على أنه مشكلات بين الدبلوماسيين والنخب؛ حيث بقي معظم عوام الناس بشكل عام غير مهتمين. ولم يلحظ السكان المسيحيون في أوروبا كل ممارسات التنكيل بالأكراد والتدخلات في سوريا وليبيا والضجيج الصاخب في شرق البحر الأبيض المتوسط.

لكن أحداث “آيا صوفيا” أثارت مشاعر كان من الأفضل تركها على حالها. وربما لخص البابا فرنسيس يوم الأحد (12 يوليو) ذلك بشكل جيد في بضع كلمات، قائلاً: “أفكر في (آيا صوفيا) وأشعر بالحزن الشديد”. وكان البعض الآخر يستخدم لغة أقوى بكثير. وأولئك الذين يبذلون جهوداً كبيرة لضمان الانسجام في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في العصر الحديث، قد تُركوا في حالة من الغضب والإحباط. بينما أولئك الذين على اليمين وظلوا يراقبون الإسلاموفوبيا منذ سنوات، يفركون أيديهم طرباً ويقولون “قُلنا لكم ذلك”.

اقرأ أيضًا: أردوغان يحاول إحياء حلمه بتحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد

ولكن هل سيعزز هذا القرار صورة أردوغان بين المسلمين؟ إن هذا الأمر بعد كل شيء هو ما أثار على الأرجح قرار الحكومة التركية تجاه “آيا صوفيا”. والجواب ربما لا؛ لأن معظم الحكومات المسلمة في العالم مهتمة في الوقت الحاضر بالمتطرفين داخل مساجدهم، ومشغولة بمحاولة مواجهة الضرر الذي تسبب فيه هؤلاء المتهورون لصورة الإسلام في العالم.

إنهم يرون أن “آيا صوفيا”، في أفضل الأحوال، تشتيت للانتباه عن مشكلات أكثر خطورة، وفي أسوأ الأحوال خطوة شعبوية أخرى تهدف إلى تعزيز قبضة مجموعات معينة على أجزاء من الأمة المسلمة. ومن خلال قراره غير الحكيم، لم يحوِّل أردوغان فقط “آيا صوفيا” إلى رمز للانقسام بين المسلمين والمسيحيين، ولكن أيضاً بين المسلمين والمسلمين.

♦مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومراقب ومعلق متخصص في الشؤون الخليجية.

المصدر: موقع كومن سبيس

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة